الصفحة الاساسية > 5. منشورات و (...) > الاستشارةُ (...)

الاستشارةُ العلاجيةُ النفسيةُ بحضورِ مترجمٍ فوري: منافعٌ وصعوباتٌ ومُحدداتٌ - بيرتران بيريه

الاربعاء 2 تموز (يوليو) 2008, بقلم Docteur Bertrand PIRET

الاستشارةُ العلاجيةِ النفسيةُ بحضورِ مترجمٍ فوري: منافعٌ وصعوباتٌ ومُحدداتٌ

أقترحُ في النص التالي تفحُّصَ خبرةِ الاستشارات العلاجيةِ النفسيةِ بحضور مترجمين فوريين للاستشارةِ العبر ثقافيةٍ في مستشفياتِ ستراسبورغ الجامعيةِ وفي إطارِ شبكةِ رسبير(RESPIRE) . وسيتمُّ التذكيرُ بإطار هذه الممارسةِ ليتمَّ فيهِ تحديدُ الرهاناتِ بشكلٍ أفضلَ. وسيتمُّ بعدَ ذلكَ وصفُ خواصِّ وفوائدَ وصعوباتِ الاستشارةِ بحضورِ مترجمٍ فوري, من خلالِ التأكيد على مسألةِ العلاج النفساني أكثرَ منها على المعالجةِ الطبعقليةِ, لأنَّ الأولى هي المقصودةُ في الغالبيةِ العظمى من الحالاتِ. فضلاً عن أنَّ التساؤلَ عنْ إمكانيةِ العلاج النفساني وعمّا قدْ تلبيهِ هو الطريقةُ الأكثرُ موضوعيةً لطرحِ مفهومِ "المعاناة النفسيةِ" الذي من الصعب من جهةٍ أخرى تقديرُهُ. وتُطرحُ مسألةُ العلاج النفساني عندَ وجودِ طلبٍ واستثمارٍ لإطارٍ يكون فيه الحديثُ المادةَ التي يُقترَحُ العملُ عليها.

1 إطارُ ممارسةِ العيادةِ بين الثقافيةِ في ستراسبورغ

اكتشفْتُ ممارسةَ الاستشارةِ الطبِّعقليةِ بحضورِ مترجمٍ في جزيرةِ "الريونيون". ولم يكن بوسعنا الاستغناءُ عن المُمرضينَ من البيضِ المولودين هناك منذ الاستعمار لفهمِ القليل عن المرضى, بسببِ اللغة المزيج بين اللغة المحليةِ ولغةِ المستعمرِ الأوروبي, وبسببِ العديدِ من الخواصِ الثقافيةِ التي يستشهدُ بها خطابُهم. وَكان بيير ستانيسلا لاجارد قد قام بنفسِ التجربةِ في نفس مجالِ الخدمةِ قبلّ ذلكَ ببضعةِ سنواتٍ. فبعدَ أنْ وجدنا أنفسنا بقليلٍ في قسمِ الاستشاراتِ الطبّعقلية الخارجيةِ في المستشفى الجامعي(CHU) فإنَّ هذه التجربة التي تعيشها العلاقةُ العلاجيةُ " الثقافيةُ" هي التي ألهمتنا دونَ شكٍّ مشروعَ تأسيسِ مركزِ استقبالٍ مناسبٍ أكثرَ للمرضى من أصلٍ أجنبي في ستراسبورغ. وبقي اللجوء إلى مترجمٍ فوري في ذلكَ الوقت عرضي بل استثنائي ولاحظنا أنَّ القليلَ من المرضى المهاجرينَ أو اللاجئين كانوا يولون أهميةً كبيرةً لعلاقة علاجيةٍ طويلةِ المدى. وبدلا من تخيلِ عقباتٍ "ثقافيةٍ" هي السببُ في زوال المحبةِ هذه, راهنَّا على أنَّ العقبةَ كانت من طرفنا من خلالِ استقبالٍ غير متأقلمٍ وذلكَ لأنَّهُ بكل بساطةٍ لم يكن يُعطى للأشخاصِ إمكانية التعبيرِ عما يجولُ في خاطرهم. وعندما كان يُعطى الأشخاصُ إمكانيةَ التحدثِ بلغتهم كان يتأكد لنا بسرعة ما كان يُمكن التنبؤ به بشكل قوي: إذ كان المرضى يلتزمون بعلاقةٍ علاجية وبالمواعيد ويُلقون خطابا غنياً ودقيقاً ومبلوراً أكثرَ فأكثرَ على قلةِ ما نعطيهم في ذلك من إمكانياتٍ...على الأقل لغويةٍ. وقد دخلنا في شراكة وثيقةٍ مع الألزاس للهجرةِ والصحةِ(Migrations Santé Alsace) في الوقت الذي كانت تتقدمُ فيه أبحاثُ وندواتُ تدريسٍ انطلاقا من هذه التجربةِ. وتشكلت مجموعةٌ صغيرةٌ من الزملاء والأصدقاء لدراسةِ مسائلَ جديدةٍ تمَّ طرحها بخصوص العيادةِ والممارسةِ وعلم النفس المرضي, ما أدى إلى ولادة "حديثٍ بلا حدود".

وكانت هذه التجربة المميزة في العمل مع مترجمٍ دائماً في قلب تصورات مجموعةِ حديثٍ بلا حدود. وكُرِّستْ لذلك العديدُ من جلساتِ الندوةِ بعنوانِ "الطبعقلي والمعالجة النفسانيةِ والثقافةِ (الثقافات)" التي جرت بين عامي 1990 و 2001. وتعمقت السنة الثانيةُ من المنتدى بشكل خاص في القضايا "التقنية" التي تُثيرها هذه الممارسة من خلال محاولةِ استنباطِ خصائصها ومكانتها بالمقارنةِ مع

العلاجاتِ النفسانية ومعَ التحليلِ النفساني. ومنذ عهدٍ قريبٍ جدا قدَّمَ علماءُ نفس شبابٌ ومترجمون فورييون "هم من جهةٍ أخرى" محللون نفسيون مساهماتٍ أخرى (ووضعتْ " من جهةٍ أخرى" بين هلالين مزدوجين حيثُ أن ما تمّ توضيحه بالضبط من خلالِ هذا الحضور الثنائي المتزامن هو بلا شك البعدُ الخاصُ بإنصات المترجمِ الفوري ما يؤدي في هذه الحالةِ على الأقلِ إلى عدم إمكانية الفصلِ بين هاتين الوظيفتين إلاّ بشكلٍ اصطناعي).

وتمثلُ المكانةُ والوظائفُ التي يشغلها المترجمُ الفوريُ في هذه الآلية موضوعَ تدخل كريم خليل في الجزء الحاضر.

وتعتبرُ مسألةُ اللغةِ الأم والتكلمِ بلغتين ونتائجها المتعلقة بعلم النفسِ المرضي والرؤيةِ التقنيةِ للإنصات والانتقالُ من لغةٍ إلى أخرى في قلب تصوراتِ المجموعةِ السريريةِ حديثٌ بلا حدود التي تجمع حِرَفيين ملتزمين بالعملِ مع المهاجرين واللاجئين.

وهي نوعا ما أصالةُ فريقِ حديثٍ بلا حدود في التأكيدِ على اللغةِ أكثرَ منها على الثقافةِ, غير أنَّ مقاسمةً مطلقةً قدْ تكونُ بالتأكيد اصطناعيةً: حيثُ تُعتبرُ اللغةُ حاملةً لتمثيلاتِ ولأنظمةِ التفكيرِ في الثقافةِ التي تُطابقها, كما أنّه لا يُمكنُ فصلُ علاقةِ كلِّ واحدٍ بالثقافةِ عن العلاقةِ باللغةِ.

غيرَ أنّ لهذا التميز فائدةٌ إستراتيجيةٌ فهي تساعدُ من خلالِ عرضِ براعةٍ تقنيةٍ (أي الوصول إلى اللغة الأم بواسطة الترجمةِ) على تجنبِ التميزِ عن المفاهيمِ الدارجةِ التي تجعلُ من الثقافةِ في حد ذاتها العقبةَ الجذريةَ في المقابلة (هي حربُ الحضاراتِ على أسوءِ حالٍ)وتجعلُ من الثقافةِ بنفس الوقتِ العلاجَ لحالاتِ الفشلِ في الوجود (بواسطةِ إعادةِ الحقن الثقافي). وتمثلُ الثقافةُ بالنسبةِ لهذه النظرياتِ المحبوبةَ المتغيرةَ على أساسِ عيبٍ أو نقصٍ(مُختلطٍ مع الحنينِ إلى الوطن)بل حتى على أساسِ إثمٍ يمكنُ إصلاحُهُ بالعودةِ(الإجباريةِ أحياناً)إلى العالم الثقافي " الأصل" ولن أأكد على الانتقاداتِ لهذه الأوضاعِ الطبعقلية العرقية المعاصرةِ التي تمَّ برهنتها بشكلٍ جيدٍ منذ ذلك الحين.

ولا يعني ذلكَ إنكار أهميةِ العاملِ الثقافي وإنما تركُ مسألةِ تصديرِ مفهومٍ عرقي يخص الاختلاف الثقافي المنسجم في هذا الحقل الدقيقِ مفتوحةً باتجاه مجالِ العيادةِ والعلاج النفساني, حيثُ الهدفُ هو إقرارُ وتفضيلُ التعبيرِ عن التميزِ والموضوعيةِ. وكان مركزُ "مانكوسكا" في باريس قد نظمَّ منذ سنواتِ الستيناتِ استشاراتِ للمهاجرينَ يقومُ بها معالجون من لغاتِ وثقافاتِ هؤلاء المهاجرينَ, وكان اللجوء إلى مترجمينَ فوريين كما يبدوا متأخراً كثيراَ ولكنه أصبحَ ضرورياً مع وصولِ مرضى يتحدثون لغاتٍ أكثرَ ندرةً والتي لم يكن ينطق بها المعالجون. وقد حافظ مركزُ "مانكوسكا" دائما على مسافةٍ بينه وبين الطبعقلي العرقي. ومن جهةٍ أخرى نجدُ بعض الفرقِ التي بذلتْ جهداً في تكييفِ إجراءاتِ الاستقبالِ الطبعقلي والنفسي للمهاجرين منْ وجهةِ نظرٍ طبعقليةٍ عرقيةٍ في أغلبِ الأحيانِ. وهي نادرةٌ جداً اعتبارا للاحتياجاتِ وأهميةِ الشعوبِ المهاجرةِ واللاجئةِ. فضلاً عن أنَّ سيئتها هي جعلنا نظن أنَّ علم النفس المرضي والعلاج النفساني للأجانبِ ينبغي أنْ يكونَا من مهمةِ المتخصصينَ (أطباء الأمراضِ العقليةِ العرقيةِ والذين منذ ذلك الحين يتطلب منهم الحصول على الشهاداتِ القيامَ بدوراتٍ مكلفةٍ).

1 قارن."العلاج النفساني بين الثقافي؟ ", طب الأمراضِ العقليةِ والعلاج النفساني والثقافة (الثقافات), المجلد 2, حديثٌ بلا حدود أو.ديه.أس, ستراسبورغ . وقريباً على الانترنت على العنوان التالى: http://www.psy-desir.com/p-s-f. 2 قارن. ميرسييه جيريمي "بخصوص المترجم الفوري" ستظهر على العنوان التالي: ht tp://www.psy-desir.com/p-s-f, شوساري-بوريه دو براي مارتين, ايديم. 3 لاموت-آمر ميراي, مداخلةٌ في المنتدى "مقدمةٌ في العيادة البين ثقافية" ,قريبا على الانترنت على العنوان التالي: http://www.psy-desir.com/p-s-f. 4 رؤية مقدمة رائعةٍ للمناظراتِ في رسالة في طب الأمراض العقليةِ الفرنسي رقم 65, مايو/أيار 1997. وأيضا: دوفيل أو ونتاهي أو مقابل الطبعقلي العرقي. سياسة وصحة 1998, (2): 57, دوفيل أو. نتاهي أو. ما هو في غير وقتِهِ من الطبعقلي العرقي. الاشتباك العصبي 1998(147):23-30.

وليس هذا رأيَنا في "حديثٍ بلا حدود". وهذا لا يعني أننا كنا نوصي بتجاهلٍ تامٍ للثقافاتِ والعاداتِ الخاصة بالمرضى الذين نستقبلهم ! يجب فقط ألاّ نخلط بين المعيارين : معيار معرفةِ العالمِ بالأعراق ومعيار الطبيب السريري. وإن استطاع هذان المعياران أن يلتقيا ويغني أحدهما الأخر فيبقى الفصل بينهما مقبولاً, وكان "دوفرو" نفسه قد تحدث بهذا الشأن عن استحالة تنفيذ هذه الأشكال من المعرفةِ والممارسةِ بطريقةٍ متزامنةٍ وذلك باقتراح مفردة "التكميليةِ". بل وأكثر من ذلك فنحن نريدُ التصديقَ من خلالِ بعض التغيرات في عاداتِ العمل, انه يُمكن للعديدِ من الأطباءِ السريريين أن يكتشفوا بالتجربة غناء هذه الممارسة والتي تقودهم بلا مفر للاهتمام بالأوساطِ الرمزيةِ لهؤلاء الذين يستقبلونهم. وسيقدرون هم أنفسهم نتائجَ الاختلافاتِ الثقافيةِ هذه كتلكَ المرتبطِةِ بالمنفى وبتغير المكان. وطبعاً سيكيفونَ بينَ إنصاتهم وطريقتهم في تأويلِ ما يسمعونهُ. ويأخذ هذا قوَّتَهُ من قناعاتِ أننا كنا قدْ طورنا وركبنا منذ سبتمبر/أيلول عام 2000 شبكةً من الحرفيين الشركاء في الاستشارة ما بعد الثقافيةٍ من خلالِ السعي على ضم معالجين جدد إليها من جهةٍ وأطباْء الأمراضِ العقليةِ وعلماء نفسٍ وعلاقاتٍ معززةٍ بممثلين اجتماعيين ومرتبطين بالميدان من جهةٍ أخرى. بطريقةٍ تعمل على توفير الوقايةِ أي التكفل المسبق بالمريض وتجنب التداوي الطبعقلي. وعلى حد معرفتنا لا يوجد في فرنسا أيةَ أمثلةِ أخرى على مثل هذا التركيب المرتبطِ بشبكةِ الانترنت والموجهُ بشكلٍ خاص إلى الشعوب المهاجرة واللاجئةِ. ويسمحُ هذا التركيبُ المرتبط بالانترنت بفهمِ الخاصيةِ التي ندافعُ عنها : أي ليست الخاصيةِ الثقافية أو النفسيةِ أو المتعلقةِ بعلمِ النفس المرضي للمرضى من أصلٍ أجنبي, ولا أيضاً خاصية المعالجين "المتخصصين" الذين يتعينُ عليهم معالجتهم وإنما خاصية الاستقبال الذي يأخذُ بعينِ الاعتبار واقعهم الاجتماعي واللغوي في المجتمعِ الذي هو مجتمعنا (الحقيقة أنَّ هذه الشعوب لها حقٌ أقلُ في المعالجةِ وأكثر من ذلك في الاستفادةِ من أماكنَ الحديثِ ). وها هو بسرعةٍ الرسمُ التمهيدي لإطار ممارستنا

2- تأثيرات وحدود "الآليةِ الثلاثية" ما هي الآثار السريرية والعلاجية في العملِ معَ مترجمٍ فوري؟ ما هي صعوبات وحدود هذه الممارسة؟ تستجيبُ الفائدةُ فيما يتعلقُ ب"الانتفاع من المعالجةِ" في الواقع لهدف الصحةِ العامةِ التي قد نتناولها بطريقة ناقدةٍ : أليس هنالك من خطر في التداوي أو التداوي الطبعقلي أو" التداوي النفسي" ضدَّ المشاكلِ الوجوديةِ والتي يتعين أنْ تجدَ حلولها في إطارٍ أخر؟ إنّهُ من الضروري, بعيدا عن البرهنة الصحيحة, توضيحُ شرعية اللجوءِ إلى المترجمِ الفوري, حيثُ أن البعض يؤكدون من جهةٍ أخرى على إمكانية الاستغناء عنه والنجاحِ في إقامةِ علاقاتٍ علاجيةٍ فعالةٍ باللجوء إلى اللغة غير الشفويةِ, وبترجمةِ الإيماءاتِ والتصرفاتِ أو بالاكتفاءِ – أو بتفضيلِ أحياناً – إدخالِ شخصٍ ثالثٍ مرتبطٍ بشكلٍ شخصي بالمريضِ (كعضو من العائلةِ أو صديقٍ أو جار.......)

الاعتراف الرمزيُ قبل حتى التأثيرات المرتبطةِ بالإحالة لخدمة اللغة الأم كأداة اتصالٍ, ربما تكون الآثار الرمزية لهذا العرضِ هي التي تُشكلُ العامل الأول الفاعل. ومن جهة أخرى, تكشفُ الممانعاتُ التي تواجهنا في الغالب في العمل مع مترجم فوري عن الاستبطان شبه المعمم لسياسة فرنسية بشكل خاص جدا فيما يتعلقُ باللغاتِ الأقليةِ (رفضهم وامتناعهم)

------------------------------------------- 5 شبكة الاستقبال النفسي للعائلاتِ المغتربة واللاجئةِ ريسبير (RESPIRE)

وهو تصرف قد لا يُفهمُ في الدولِ الأخرى هذه (كندا, الدولُ الأوروبيةُ الشماليةُ)التي لا يكونُ فيها الاعترافُ باللغةِ التي يحكيها المغتربون ومجموعتهم أمرا بديهيا فقط وإنما تكون فيها الدولة هي التي تزود وتنظمُ خدمات الترجمةِ العامة... كما أنَّ للعرضِ الذي تمَّ إنشاؤه عموميا آثارا رمزيةً رئيسية على الشعوب المعنية, عدا عن المنفعةِ التقنية الخالصة التي يتم الحصول عليها عن طريق الترجمة6. وتوفرُ الظروف للتمكنِ من إجراء حديثٍ لم يعد مكبوحا بالشعور بالحرج والخجل والانتقاص (مرتبط بسوء ضبط اللغة الفرنسية غير المتمكن منها)أو بسلوكيات مُطالبةٍ بحق المعالجين, إنَّ إنشاءَ مؤسسةِ استقبالٍ للغة يحملُ معهُ رسالة احترام بمراجعِ ومثاليات الشخص ولاسيما الجانب الثقافي المعارض التي يحكم عليها أحيانا بأنها مصدر لسوء فهم لا يُمكن تجنبُهُ. والأثر مشابه من جانب المعالج: فجهد الاعتراف باللغة الأم يتضمن في ثناياه الإصرار على الاعتراف بالشخص بكل أبعاده ولاسيما البعد الثقافي. لنحذر بنفس الوقت من أن نكون ساذجين, فحضور المترجم الفوري ومعرفة اللغة الأم لا يبعثُ بشكل تلقائي على الفضول والانفتاحية. إذ ينبغي أنْ يكونَ في ذلكَ رغبةٌ خاصةٌ لا تُقررُ بمرسومٍ. نعرف للأسف بعض الحالاتِ تقلصتْ فيها وظيفة المترجم الفوري إلى مستوى الآلة المحدود أو لا يتمُّ فيها أي اعتراف رمزي بالآخر...

زوالُ وهمِ ونرجسيةِ المعالجِ لنتفحص آثارا أخرى لهذه الآلية عند المعالج. إذ تقودُ أحيانا إمكانية الحوار الجد متبلور بواسطة المترجم الفوري العديد من المعالجين إلى إعادة تفحص الاستيهامات الأجنبية التي قد تكون استيهاما تهم فيما يتعلقُ بالاختلاف الثقافي من خلال التصور النابع عن القرب من الإشكاليات أو من صفتهم الشمولية في الداخل. ولكن عليهم أيضا التدرب على التحضيرات الضرورية للقاء حسب أنماطٍ تختلف أحيانا بشكلٍ كبير عن العاداتِ الغربية. فدور المترجم الفوري في عملية التدرب هذه مهمٌ إما لكونِهِ منشودٌ لإعطاء نصائح بهذا الشأن أو لأنّ سلوكه يشير إلى أن هذه المسألة أو تلك َ غير مناسبة أو سابقةٌ لأوانها أو باعثةً على الصدمةِ. ومن جهةٍ أخرى يُلزمُ التساؤلُ ح "ندوةٍ مميزةٍ" تُمثلُ نموذجا مقدسا في المقابلة الحميميةِ بإصغاء آخر مُحرر منَ المتطلباتِ الملّخصةِ(لا يُمكننا فهم كل ما يقولُهُ المريض)ومن السيطرة(لا يمكننا التحكم بحديث المترجم الفوري بشكل مطلق!)وعندئذ تُعتبرُ الأسس النرجسية في"الدعوةِ للإصغاء" هي المهزوزةُ بشكلٍ نافعٍ. ولا يمكن تقديرُ الإسهامات في ذلك فيما يتعلق بدورة المعالجين(أطباء الأمراضِ العقليةِ ولاسيما علماء النفس).

ونفهم من خلال التصوراتِ الأولى هذه أنه من المستحيل وصف ما يُحدَثُ وما يَحدُثُ في الآلية الثلاثيةِ بشكل عام. وتعتبرُ شخصية وأذواق واتجاهاتُ المعالجِ كالرغبة التي تدفعهُ أو لا تدفعهُ لهذا العمل عناصرَ أساسيةً. وقد نقوم بملاحظةٍ مشابهةٍ بخصوص المترجمين الفوريين. وسنتطرق إلى ذلك فيما بعدُ. التأثيرات الخاصة بإدخال (أو بإعادة إدخال) اللغة الأم والآن ما هي نتائجُ الموافقة على تحدث المريض باللغة الأم؟ وقبل كل شيء ما هي بالنسبةِ للمهاجرين وطالبي اللجوء الواصلين إلى فرنسا منذ فترة وجيزة إلاّ مسألةَ ضرورة, ولغياب هذه الآلية لن يتوفر لهم أية وسيلة ليعبروا فيها عما يجول في خاطرهم, ونتصور بسهولة حالات سوء الفهم والإحباط التي قد تحدث في هذا الحالةِ في كل مجالات حياتهم الجديدة في الغربة : كالعلاقة مع الدوائر الحكومية, والمدرسة والمستشفى والأطباء والمحافظة, الخ.


6 من أجل تطور أكثر متانةً لهذه المسألة, انظر بيرتران بيريه. (2002)الخبرة الستراسبورغيه للعيادة الماوراء ثقافية, ستظهر في المجلة الفرنسية لطب الأمراضِ العقليةِ ولعلم النفس الطبي.

ويشهدُ العديدُ من المفكرين الذين عاشوا في الغربة على صحة هذا الإحباط في كونِهمْ حُرموا فجأة من إمكانياتهم في التعبير والتحدث عن هذا الإحباط كما تصفه نانسي هوستون وفرانسوا شينغ7 في اشتهاءِ غنى أقل ما ينتجُ عن ثرثرةِ الأطفال الذين يلتقوا بهم في الدولة الجديدة هذه. أعترف أن أكثر ما أعانيه دائما في هذه الظروف هو فهم وضع هؤلاء الذين يظنون رغم كل شيء, أنه من الأفضل الاستغناء عن المترجم الفوري, ويتواصلون مثلا مع قرنائهم في الحديث بمستوى ركيك في اللغة. وتخص البرهنةُ الأكثر قبولا بشأنِ هذا السلوك صعوبة العمل مع مترجم فوري. سأعود إلى ذلك.

دائماً ما تقبل الغالبية الساحقة من الواصلين الأوائل الذين لا يتحدثون أبدا اللغة الفرنسية ولا يتحدثون بشكل طليق أيَّةَ لغة أوروبية أخرى (كالإنجليزية والألمانية مثلا) كصفقةٍ الفرصةَ التي تُعرض عليهم - و أخيرا !قد يُضافُ إلى ذلك- تحدُّثَ لغتهم. لدرجة أنَّ الإطار الخاص بالمقابلات النفسية والمتعلقة بالعلاج النفسي التي نقومُ بها تساعدهم على التكلم عما لم يتسنّ لهم بعد التكلم عنة أحيانا في ظروف أخرى. هنالك ثلاث مميزات أساسية هنا هي: غياب التوجيه(فلا نستطيع أن نضع أنفسنا مكان المريض لنعرف قبله ما هو مهم ليتحدث عنه), السرِّية (فسرِّية المقابلات مضمونة) والمحايدة(ليس للمقابلات أيةَ عاقبة قانونية أو شُرَطيةٍ أو إدارية, إذ لا يتحيز المعالج لمضمون ما يُقال, ويمتنع عن النصائح الشخصية انطلاقا من آرائه)وهنا أيضا يلعب المترجم الفوري دورا كبيرا في التنظيم الناجح لهذا الإطار. إلا أننا نصطدم أحيانا برفض بعض المرضى للمترجم الفوري رغم أنهم لا يجيدون بسهولة أية لغة مشتركة مع المعالج. إذ يتعلق الأمر أحيانا بنوع من الحذر لا يمكن التغلب عليه إزاء شخصٍ من دولتِهِ عندما نأتي من دولة تمّ اضطهادنا فيها. لا شيء يضمن لهؤلاء الأشخاص عدمَ انتماءَ المترجم الفوري لهؤلاء الذين اضطهدوه. وأصعب ما على بعض المرضى الأكراد تخيلَهُ مثلا هو اعتبار المترجم الفوري التركي أمراً آخر غير كونه متواطئا مع الدولة التي اضطهدتهم. ونجد من جديد أوضاعا مثيلة في العديد من مناطق الأرض(البلقان, أفريقيا السوداء, الخ.). وفي أوضاع أخرى يكون لرفض الدليل بالأحرى فائدة التخفي لأسباب لن نكتشفها بحكمِ الطبيعةِ: كالرغبة بعدم الكشف عن إشكالية شخصيةٍ محرجةٍ, أو وضع إداري مشبوه, بل وحتى رواية كاذبة. ولا يوجد مطلقا عملٌ متعلقٌ بالعلاج النفسي ممكنٌ في هذه الحالات. بسبب التحفظ من جهة وبسبب أنّ المعالج موضوعٌ في مكان لا يُناسبهُ, وهو مكان قاضي التصديق لقول ما, أو مكان وكيل الإقرار بشرعيتِهِ (إزاء السلطات). في حين أن المغتربين أمضوا عدة سنوات في فرنسا أو حينما يأتون من دولة لا تزال اللغة الفرنسية لغةٌ محكيةٌ فيها, فإنَّ ثنائيتهم في اللغةِ تُمثلُ السببَ في تأثيرات أخرى إزاء اللغة الأم. وفقدت اللغة الأم بالنسبة لبعضهم وظيفَتَها في الاتصال الاجتماعي يومياً. فلا يُنطَقُ بها إلاّ بشكلٍ مؤقتٍ أو تجدُ نفسها محصورةً في المُحيطِ العائلي. وتمّ عندها تنظيمُ ادخار مختلفٍ تماماً في العلاقاتِ مع اللغاتِ. إذ ترتبطُ المصادقةُ الاجتماعيةُ في اللغةِ الفرنسيةِ بالتفكُّرِ المنطقيِّ والفكرنةِ بينما تستمرُ اللغةُ الأمُّ في احتواءِ المراجعِ الحميمةِ المرتبطةِ بالماضي, وبالطفولةِ وبالروابطِ العاطفية الأولى. وقد تُشكلُ سلاسة كبيرة في اللغةِ الفرنسيةِ كحد أقصى دفاعاً منيعاً جداً إزاءَ النزاعاتِ والرغباتِ المخفيةِ واللاشعوريةِ التي تسكنُ هي ذاتُها بالأحرى في اللغةِ الأمِّ. وتأوي اللغةُ الأم مجموعَ الدلالات التي استطاعت تحديدَ مثل هذا العَرَضِ أو ذاكَ أو مثلَ هذا التوجيهِ أو ذاك أو خياراً لاشعورياً خلالَ الطفولةِ. فهي تواجهُ على مقربةٍ مُقلقةٍ من هذه الكلماتِ التي بقيت ثقيلة جداً ومثقلةٍ بعبء شهواني يمنعُ الموضوعَ من أنْ يكون شاعريا معها ومع الدلالاتِ الأخرى. نعرفُ أنّ التعلقَ باللغةِ الأمِّ (التي لا تعملُ في الواقعِ إلاّ على مضاعفة التعلقِ بأوجهِ الطفولةِ )


7 شينغ فرانسوا, الحوار , ديسكليه دو بروير – صُحفُ شانج هاي الأدبيةُ والفنيةُ, 2002.

تُشكلُ أحيانا عقبةً بذلكَ القدرِ لدرجةِ أنَّ الالتزام بتحليلٍ نفسيٍّ ليسَ ممكناً إلاّ في اللغةِ الثانويةِ التي تمّ تعلمُها. يرجعُ رفضِ تدخُّلِ المترجمِ الفوري في الحالاتِ الافتراضيةِ هذهِ إلى الصعوبات الجدُّ متنوعةٍ فيما يتعلقُ بحالاتِ أوائلَ الواصلين السابقةِ. سلوكُ المعالجِ حساسٌ, وأنَّهُ بالتأكيد لا يمكنُ أبداً تصورُ فرضَ المترجمِ الفوريَّ على المريضِ. وبالأحرى يُفهمُ رفضُ اللغةِ الأمِّ كَعَرَضٍ بالمعنى المتعلق بالتحليلِ النفسيِّ, وعلينا احترامُهُ كما هوَ إذا أردنا الحصولَ على فرصةٍ لكشفهِ يوماً ما. ولكن هل يُمكننا حقاً القيامُ بعملٍ تحليليٍّ - على اللغةِ إذن - إذا كانتْ وسائلُ التعبيرِ محدودةً جداً ؟ ربما يُشكِّلُ ذلكَ مأزقاً خاصاً بتأثيراتِ الغربةِ وربما يكون إصغاءٌ متعلقٌ بالتحليلِ النفسيِّ رغم كلِّ شيءٍ ممكناً, إصغاءٌ قد يُراهنُ على تأثيراتِ نقلٍ واستثمار متزايدٍ واستخدامٍ مختلفٍ للّغةِ التي تمّ تعلمها(استخدامٌ أكثرُ غناً, وأقلُّ تفاعليةً أو"فكريةً", وأكثرُ قابليةً للتغييرِ ومنفتحاً)يؤدي إلى عملِ حقيقيٍّ في وقتِهِ. وعلى كلِّ حالٍ إذا تمَّ تنفيذُ العملِ التحليلي, فإنَّ دلالاتِ اللغةِ الأمِّ ستعودُ بالضرورةِ بمقابل ٍبطريقةٍ واضحةٍ أو محجوبةٍ, كعناصرَ تحت أرضيةٍ تفتلُ وتُربكُ وتُزعجُ الخطابَ الناعمَ جداً في البداية في اللغةِ الثانويةِ مثلاً.

تأثيراتٌ خاصةٌ بالترجمةِ كما يمكننا أحياناً مراقبةُ التأثيرات المرتبطةِ بشكلٍ مباشرٍ بعمليةِ الترجمةِ 8 عندَ المرضى ثنائيي اللغةِ. إنَّ إمكانيةَ الترجمةِ من اللغةِ الحميمةِ(الأمِّ)إلى اللغةِ "الاجتماعية" التي تمَّ تعلمها(الفرنسية)والمُقابِلاتِ التي لا سابق لها حتى الآن والتي تظهرُ عندئذٍ, تُعتبرُ بالنسبةِ للبعضِ مصدرَ مفاجأةٍ جديرةُ بالذكرِ. كلُّ شيءٍ يحصلُ كما لو قد تساعدُ الترجمةُ على استثمارٍ جديدٍ لهاتين اللغتين باتجاهِ حشدٍ أكبرَ, وتبادلٍ جديدٍ ومُحتملٍ بينهما, تبادلٍ يُفقدهما عاطفتهما أحاديةَ الاتجاهِ والمنقسمة. وربما نُغيرُ بواسطةِ اللغةِ الانقسامَ الفيزيائيَّ الذي يُميِّزُ في الغالبِ اللاشعورَ عندَ المغتربِ بينَ العالمِ المفقودِ ولكن المُمجدِ في الأصل وبين عالم المعلوماتِ الذي يغزوهُ استثمارُ العملِ كسببٍ وحيدٍ يُشرعُ الإقامةَ في الخارجِ. يتواجدُ هذا الانقسامُ في وسطِ العائلاتِ معتمداً هنا أيضاً حدّ اللغاتِ عندما لا يعودُ الأطفالُ يتحدثونَ لغةَ الآباءِ وعندما لا يزالُ الآباءُ لا يتحدثونَ حقيقةً اللغةَ الفرنسيةُ. إذ تبقى لغةُ الاستقبالِ مرتبطةً لمدةٍ طويلةٍ بعالمِ العملِ والتقنيةِ والطبِ بينما تنحصرُ اللغةُ الأمُّ في الرابطةِ الحميمة بين زوجٍ أو بينَ أفرادِ عائلةٍ. ويمكننا تصورُ فوائدَ مقابلةٍ تربطُ الآباءَ بالأبناءِ عندما يتحدثُ المترجمُ الفوريُّ فجأةً حديثاً أبوياً معروفاً بغناهِ ومعناهِ الإضافيِّ وإسهابهِ. حدودُ وصعوباتُ المقابلةِ بحضورِ مترجمٍ فوريٍّ: تدخلٌ موضوعيٌ واحدةٌ من أكبرِ الصعوباتِ بالنسبةِ للمعالجينَ تكمنُ في تنوعِ المترجمينَ الفوريينَ. في الواقعِ يتمتعُ كلُّ مترجمٍ فوريٍ على الرغمِ من تلقيهِ دورةٍ وتعليماتٍ وتوقيعِهِ"لعقدٍ" بمعطياتٍ متماثلةٍ بأسلوبه الخاص به, أسلوبٌ يختلفُ فيهِ الواحدُ عنِ الآخرِ كثيراً. ولا يُمثلُ هذا التنوعُ إلاّ ترجمةَ للتدخلِ الموضوعي والشخصيِّ للمترجمِ الفوريِّ في عملِهِ. ينبغي السرورُ والانتفاعُ جيداً من مجالٍ لمْ يُغزَ بعدُ بالولعِ بالتسويةِ والمُعايرةِ ايزو x x x !فهنالك مكانٌ متروكٌ للموضوعِ. غير أنَّ هذا البعدُ الموضوعي لا يُمكنُ تجنبهُ. ويكونُ هذا البعدُ في حالاتِ الترجمةِ الفوريةِ الاحترافيةِ القصوى(من طرازِ البرلمان الأوروبي, الخ.)ببساطةٍ مُصغراً ولكن ليس, غائباً ولكن ينبغي توسيعُ البحثِ فهذا البعدُ مهمٌّ. لنْ يحضَ المترجمُ الفوريُّ الذي قد يكون آلةً خالصةً في الترجمةِ إلاّ بفرصةٍ ضعيفة جداً في إيصالِ شيءٍ من حديثِ المريضِ. قد ينقلُ معلوماتٍ أكيدةً ولكن لا شيءَ منها يخصُّ المريضَ كموضوعٍ,


8 أنظر بعضَ التطوراتِ والأمثلةِ السريريةِ بهذا الخصوص في بيرتران بيريه(1991)هل يكون العلاج النفساني بآليةٍ ثلاثيةٍ ممكنناً؟ طب الأمراضِ العقلية والعلاج النفساني والثقافة(الثقافات), المجلد الثاني "العلاج النفساني الماوراء ثقافي؟", حديث بلا حدود, ستراسبورغ, من ص 9 إلى ص 27. قريباً على الانترنت على الموقع: http://www.psy-desir.com/p-s-f

أي تظاهرات اللاشعور عندَهُ. وهذا هوَ كلُّ التناقضِ في هذا الوضعِ: فلا يُمكنُ إيصالُ حديثِ المريضِ - بالمفهومِ التحليلي للحديثِ أيْ قبلَ كلِّ شيءٍ خطةُ التعبير والخطابِ الكامنِ – ولا يتسنى للمعالجِ فهمُهُ إلاّ عن طريقِ اللاشعور عندَ المترجمِ الفوري! ولا يعني هذا أنَّ عليهِ إهمالُ قضيةَ الدقةِ فيما يُترجمُ. وسيحددُ تدخلًهُ, على الرغمِ من جهودهِ المبذولةِ عدا عنْ الدقة في المعنى في ترجمتِهِ, مسارَ هذه الدقةَ بلا شعورٍ, وسيحرفها قليلاً, وسينتزعُ منها بعض الدلالاتِ ويُعطيها بعضَ الدلالاتِ الأخرى. ومقارنةً معَ وضعٍ مثاليٍ لترجمةٍ آليةٍ فهنالكَ الكثيرُ من الإضافاتِ أو "النواقصِ" التيْ لها دلائلُ ثمينةٌ لدرجةِ أنّهُ تمَّ فهمُ شيءٍ في هذا الجزءِ من خطابِ المريضِ (ولا يعني ذلكَ أنّهُ أُشيرَ إلى هذا الشيء بوعيٍ)وأحدثَ تأثيراً عندَ المترجمِ الفوريِ ينعكسُ في ترجمتِهِ. وباختصار, ُيترجمُ المترجُم بقدرِ ما يمكنُ ترجمتَهُ دون أنْ يعرفَ ذلكَ من خلالِ الخطابِ الذي يقومُ فيهِ بدورِ المُمررِ. وقدْ يخصُّ الأمرُ تحفظاً فجائياً في الترجمةِ كترجمةِ قولٍ ما. وقد يخصُّ الرغبةَ بتوضيحِ إقرارٍ ما غيرُ مفهومِ بشكل كافٍ, أو الجهد الذي يبذلُهُ المترجمُ لجعلٍ خطابٍ غير منسجمٍ منسجماً, أو الضرورةُ في ترجمةِ عاطفةٍ استدعاها ما نحنُ قائمون على ترجمتِهِ... – وضعاً مُحرجاً لأنَّ هذه العاطفةُ في الظاهرِ لا تعني المريضَ وإنما المترجمَ..., الخ. وتعتمدُ أجزاءُ الخطابِ والقصصُ والأوضاعُ التي "سيكونُ لها تأثيرُ" على المترجمِ على قصتِهِ نفسهِ بصورةٍ واضحةٍ. وعلى علاقتِهِ بعلمِ الأمراضِ العقليةِ وعلى خبرتِهِ الشخصيةِ لاسيما حينما عانى هو نفسُهُ همومَ الغربةِ بل تعرضَّ لأشكالِ العنفِ في بلدهِ الأصليِّ. غير أنَّ ما يبدوا كلَّ مرةٍ كشيءٍ ناقصاً أو كخطأ أو كنقصٍ في الترجمةِ قد يتبين كونُهُ مفيداً بشرطِ الاستفسار عما احدثَ فعلَ اللغةِ هذا عندَ المريضِ. ويُمكنُ للمترجمِ نفسِهِ أنْ يخضعَ لهذا السؤالِ, ويتعينُ أنْ يحضرَ ذلكَ إلى ذهنِ المعالجِ دائماً. من الممكن بدون شك من خلالِ إحداثياتِ المقابلةِ الجديدةِ هذه أنْ يستخرجَ من الخطابِ – أو بالأحرى من الخطاباتِ الحاضرةِ - شيئاً ما من حقيقةِ حديث المريضِ, ليسَ "عنوةً" ولكن لأنَّ المترجمَ سيكونُ قدْ عرفَ كيفَ يجعلُ نفسَهُ يتأثرُ بخطابِ المريضِ وعلى أفضلِ حالٍ سيكونُ قد تمكنَ من أخذِهِ بعينِ الاعتبارِ. تتناولُ هذهِ الصعوباتُ مسألةَ دورةِ المترجمينَ لأنَّ السيناريو المتفائلِ الذي وصفتُهُ للتوِّ سينجحُ مهما كانَ وبالتأكيد بشكلٍ أفضل بقليل إذا قبلَ المترجمُ اللعبةَ أيْ إذا كان أقل ما يكون في واقعِ أدائهِ الجسدي... ولا يخصُّ ذلكَ اكتسابَ دورةٍ تقنيةٍ بقدرِ ما يخصُّ التعوُّدَ على عالمِ دوراتِ اللاشعور. من الضروريِّ التحررُ من السلوكياتِ المتشددةِ بشكلٍ مفرطٍ إزاءَ الترجمةِ التيْ من وظيفتها أحياناً أن تقي من التجاوزِ في الحديثِ من قبلِ الآخرِ. وتعتبرُ مقدمةٌ في علم النفسِ المرضيِّ نافعةٌ بمعنى أنّها تساعدُ على تصورِ قدرةِ علمِ الأمراضِ واللاشعورِ على ارباكِ لغةِ الكائنِ المتحدثِ ما قد يسمحُ بفهمٍ أخرٍ ويُحررُ منْ مشكلةِ تصحيحِ حالاتِ عدمِ الانسجامِ, وزلاتِ اللسانِ, وحالاتِ النسيانِ,ُ والفراغاتِ وحالاتِ الغموضِ, الخ في خطابِ المرضى. قدْ يتمُ التعوّدُ على طريقةِ عملِ اللاشعورِ(عندّهُ قبل كلِّ شيءٍ)من خلالِ حلقاتِ حديثٍ (يطلبها من جهةٍ أخرى المترجمونُ الواعون بوجوب دراسةِ كلِّ ما حدثَ معهم رغماً عنهم خلالَ الاستشاراتِ فيما بعدْ), وأيضاً خلال جلساتِ الدوراتِ الأكثرُ تنظيراً لأنها تتركُ نطاقاً واسعاً للتعبيرِ ولشهاداتِ كلِّ واحدٍ بخصوصِ المفاهيمِ المطروحةِ. من المستبعدِ بالتأكيدِ مطالبةُ المترجمين بالقيامِ بدورةٍ خاصةٍ بالعلاج النفساني وبالقيامِ بعملٍ شخصيٍّ من طرازٍ يتعلقُ بالتحليلِ النفسيِّ. وقد لا يكونُ هذا فقط مؤذٍ ولكن ببساطةٍ لأنّهُ نتيجةً لذلك َقد يتمُ الاستغناءُ عن المعالجِ الناطقِ بالفرنسيةِ!وهذا ما ليسَ موضوعَ التفكيرِ الراهنِ الخاص بإمكانياتِ العملِ العلاجي النفسي معَ مترجمٍ(ويشكُّ الكلُّ في أنَّ يكونَ العملُ العلاجي النفسيِّ معَ معالجٍ نفسيّ يتحدثُ لغتَهُ ممكناً !!).

آليةُ التأثيراتِ العلاجيةِ النفسيّةِ وفي الخاتمةِ لنحاولَ استنباطَ بعضٍ من الآلياتِ الممكنةِ يكونُ العلاجُ النفساني من خلالها ممكناً في إطار مقابلاتٍ مع ُ المترجمِ. سبقَ وأنْ أَشرْتُ إلى العديدِ منها: تأثير الإقرار الرمزي, الصدمةُ التي تُثيرُهَا المواجهةُ مع اللغةِ الأمِّ, مفاجآتُ الترجمةِ وتقليصُ الانقسام, وهي لا تُشكلُ بلا شكٍّ تأثيراتٍ تتعلقُ بالتحليلِ النفسيِّ بمعنى " تغيير التركيب" عندَ المريضِ أو اعترافٌ برغبتِهِ أو بحلِّ نزاعاتِهِ اللاشعوريةٍ... ولكنها تُحدِثُ تغييرَ العلاقةِ بالحديثِ الواعدِ بحركاتٍ نفسانيةٍ أخرى يُمكنُ وصفها بهذا الخصوصِ بالحركاتِ العلاجية النفسانيةِ. ويُمثلُ سردُ القصةِ المسموحُ باللغةِ الأمِّ بدونِ ضغوط المرحلةَ الأولى التي, لا غنى عنها والطويلةِ أحياناً, في إعادةِ بناءٍ لكائنٍ حطّمَهُ رُعبُ الصدماتِ التي عاشها. في حين نستقبلُ العديدَ من المرضى "المصدومين", ضحايا أشكالِ التعذيبِ, والحروب, والنفيِ, وأشكالِ الاضطهادِ, الخ. وليسَ المقصودُ الصدمةَ بالمعنى المعتادِ الذي يتناولُهُ التحليلُ النفسيُّ: الصدمةُ الجنسيةُ المتصلةُ بالاستيهامِ والتي تجعلُ قصَّةَ روابطَ الموضوعِ الأولى تُدوي. وفي هذه الحالات تجري الأمورُ بالعكس, فلا شيءَ يبرزُ ليدويَ ولا شيءَ يبرزُ ليعطيَ معنىً أو ليخففَ من رعبِ الواقع, ومن المرفوضِ الترجمةُ بما يتماشى والتحليلِ وإنكارُ العلاقةِ بحجةِ المحايدةِ. وإنَّ السلوكَ الوحيدَ المحتملَ هو أنْ يتحملَ مسؤوليةَ وجودِهِ في هذهِ القصةِ التي لا تُطاقُ وأن يدعمَ الرغبةَ في إصغاءٍ آخر ليسَ بإصغاءٍ متلصصٍ أو إصغاءِ شفقةٍ. يتوصلَ المرضى بفضلِهِ إلى إعادةِ بناء قصةٍ متناغمةِ باللغةِ الأمِّ وبشكلٍ تدريجيٍّ عما حدثَ لهمْ (وغالباً ما تكونُ هذهِ القصةُ في البدايةِ غير متناغمةٍ ومقطّعةٍ وطغتْ عليها عواطفٌ لا يمكنُ التحكمُ بها). وهوَ ثمنُ بدايةِ الرمزِ لمعاناتهم. فهي تعتمدُ على الترجمةِ والرغبةِ التي تُحركُ المعالجَ(القريبةِ من تلكَ التي يصفها التحليلُ النفسيُّ "برغبةِ المُحللِ"؟). يتضمنُ الإفصاحُ عن تفاصيلَ تأثيراتٍ أخرى اللجوءَ إلى مفاهيمَ متعلقةٍ بالتحليلِ النفسيِّ التي من غير الممكنِ توضيحها هنا. لنقلْ ببساطةٍ أنَّ كلَّ تأثيرٍ يتعلقُ بالعلاجِ النفسيِّ وبالأحرى بالتحليلِ النفسيِّ ينجمُ عن عمليةِ النقلِ. إلاّ أنَّ مالا اعتراضَ عليهِ هوَ أنَّ نقلاً ما يُنَظمُ في آليةٍ ثلاثيةٍ انطلاقاً من اللحظةِ التي يستثمرُهُ فيها المرضى, ولكن يخصُّ النقلُ الأطرافَ الثلاثةَ و يُوجَّهُ, بالنسبةِ لكلِّ عضوٍ في الثلاثيِّ, لكلِّ واحدٍ من الشخصينِ الآخرينِ... مما يؤدي إلى وضعٍ معقدٍ جداً من وجهةِ نظرِ تحليلِ الإنتاج الخطابي اللاشعوري الحاضر 9. سأفترضُ أنّ هذا النقلَ يُحدِثُ تأثيرات ترجمةٍ باتجاهٍ يَسمحُ فيه النقلُ للمريضِ بسماعِ الأحاديثِ التي ينطقُ بها بطريقةٍ مختلفةٍ, (أو بكلِّ بساطةٍ بسماعِ ما يقولُ, والذي يُمثلُ أمراً نادرا جداً خلافاً لما يتطلبُ الاتجاه الصحيح). ينبغي بلا شكٍّ توضيحُ فيماذا يمكنُ للترجمةِ أنْ تعملَ دونَ أنْ يكونَ فيها محللٌ المرسلَ الفعليَّ. ومن الممكنِ ألاّ يتمكنَ حضورُهُ فقطْ وإنما وبشكلٍ خاصٍّ موقعهُ في الإصغاءِ, إزاءَ الخطاباتِ التي تجريْ في "عملياتِ النقلِ" لهذا الوضعِ من الكفايةِ في تحديدِ تأثيراتٍ غير الافتتانِ السطحيِّ بالنفسِ من جديد. فضلاً عن أننا اكتشفنا أيضاً بشكلٍ قليل قيمةَ الترجمةِ المُحتملةِ لحديثِ المُترجمِ خلالَ قيامِهِ بالترجمةِ. ألا يمكننا أنْ نتصوَّر أنَّهُ لا يُوصِلُ هوَ نفسهُ للمريضِ شيئاً من الحقيقةِ الموضوعيةِ من غير وعيٍ وهو في نقلٍ يحدثُ في المقابلةِ ؟


9 قارن. في هذا الموضوع: فتيح كرمان, كريم خليل, بيير ستانيسلا لاجارد, بيرتران بيريه (1991), النقل في وضع ثنائي اللغةِ وثنائي الثقافةِ: مؤلف حالةٍ سريريةٍ, في طب الأمراضِ العقليةِ وعلم النفسِ والثقافةِ(الثقافات)المجلد2, "العلاج النفساني بين الثقافي؟" حديثٌ بلا حدود, ستراسبورغ, وقريباً على الانترنت على الموقع التالي: http://www.psy-desir.com/p-s-f. وأيضاً ميرسييه جي, أو بيه, سيت.

ولا تُعطي المسائلُ الأخيرةُ هذه رؤيةً عنْ ضخامةِ الحقلِ الذي تبقى اكتشافُهُ فقط وإنما عن غنى مثلَ تلكَ الخبرةِ التي تُجدِّدُ العيادةَ بمقارنتها مع أبعادِ اللغةِ والبين ثقافة وتأثيراتِ الغربةِ.

بيرتران بيريه, أكتوبر 2003