الصفحة الاساسية > 5. منشورات و (...) > معضلاتُ المق
معضلاتُ المقابلاتِ السريريةِ في الوسطِ المغترب 1 - مهند شعبان
الاربعاء 2 تموز (يوليو) 2008, بقلم
معضلاتُ المقابلاتِ السريريةِ في الوسطِ المغترب 1
العيادةُ والثقافةُ معرفةُ التقاليدِ: ضرورةٌ أم معضلةٌ بدون موضوعٍ ؟
مهند شعبان
الدكتور بيير ستانيسلاس لاجارد:
نلتقي اليومَ من أجل مقابلةٍ, وهي سلسلةٌ من الأفكار التي تحملُ العنوانَ: "معضلاتُ المقابلاتِ في الوسطِ المغتربِ".
سنجدُ أنفسنا هنا مقارنةً مع الجلساتِ السابقةِ ذاتُ الطابعٍ الأكثرُ "ثقافيةً" في صلبِ الموضوعِ وسنرى ما سَيُحدِثُ مؤتمرُ هذا المساءِ عندَ كل هؤلاء الذينَ لديهم ومن بينهم نحنُ الخبرة مع المغتربين.
العزيز مهند شعبان, أظن أنَّ جزءاً لابأس بهِ منا يعرفك. على كل حالٍ يعرفكَ هؤلاء الذين كانوا معنا العام المنصرم, لأنّ عليَّ أنْ أُذكِّرَ أنَّ المداخلةِ الأخيرةَ من ندوةِ السنةِ الماضيةِ والتي كُرِّستْ للشعور بالذنبِ كانت تستمدُ أصولها من الملاحظاتِ السريريةِ التي كنت قدْ استطعتُ تبادَلها معَ مهند شعبان, ملاحظاتُ تخصُّ التكفلَ بالعلاجِ النفسي للمرضى القادمينَ من شمال أفريقيا.
وبالنسبةِ لمنظمي هذه الندوةِ فهم يعرفوك منذُ زمنٍ أطولَ, حيثُ اكتشفناكَ من خلالِ مقالتينِ كتبتَهما وسأذكِّرُ بعنوانيهما:"الرجولةُ والأبويةُ, بخصوصِ شكاوي رجالِ المغربِ الجسمانيةِ" و "معضلاتُ المقابلاتِ السريريةِ مقابلَ مستشاري المغربِ". توجدُ المقالاتُ في "المُحللِ النفسيِّ" وسيتسنى لي فيما بعدُ إعطاءَ المراجعِ الصحيحةِ للأشخاصِ المُهتمينَ.
وتبعاً لهذهِ القراءاتِ وللقاءاتنا – لأنّه أتيحتْ لنا الفرصةُ في الواقعِ للالتقاء عدةَ مراتٍ – خططنا لمشروعِ دعوتك.
1 : تمّتْ مراجعةُ نصُّ هذه المداخلةِ وتصحيحهُ من قبلِ المؤلفِ. إنَّ النقاشَ التالي نانجٌ عن إعادة تدوين التسجيلاتِ.
وإلى جانبِ هذهِ المقالاتِ المُمتعةِ للغايةِ فلكَ يا عزيزي مُهنّد شعبان الأهميةَ الكبرى حيثُ تتوفرُ لديكَ الخبرةَ لأكثرَ من عشرينَ عاماً مقارنةَ مع خبرتنا القصيرةِ لثلاثِ سنواتٍ.
عليَّ أنْ أضيفَ أخيراً أنَّ مهند شعبان طبيبٌ نفساني ومُحللٌ نفسيٌ. فهوَ يعملُ كمُحللٌ نفسيٌّ في باريس وكطبيب نفسانيٍّ في مستشفى "فيل جويف" في منطقةِ باريس.
الدكتور مهندْ شعبان:
يُقادُ المعالجون الذين يُواجهون التكفلَ بالمرضى الأجانبِ للتساؤلِ بشكلٍ عام عن الترابطِ بينَ العرضِ والثقافةِ, بين المرضِ والتعبيرِ عنهُ, بينَ المعاناةِ وتصوراتِ الرجولةِ. غير أنَّ هذهِ المنفعةَ لا تُمثلُ القاعدةَ وليسَ من النادرِ أنْ تجدَ الضرورةُ في القيامِ بتساؤلٍ بخصوصِ " العيادةِ والمغتربينَ" نفسها تُعارضُ, من دون الخروجِ عن الصوابِ, أهدافاً يُمكنُ تلخيصها كالتالي:
1- لماذا إعارةُ اهتمامِ خاص بالأجنبي, وبشكلٍ خاصٍ أكثر بالمغتربِ الذي يرغبُ العيشَ في الدولةِ المستضيفةِ حيثُ أنّهُ مدعوٌّ لمقاسمةِ حياةِ الغربيينَ, وأنَّهُ من المُفترضِ علية التوجُهُ إلى ثقافةٍ أخرى غير ثقافتِهِ والتي يُدعى فيها سابقاً أمْ لاحقا بالأخذِ بما يوجبُ عليهِ الاندماجُ بالقيمِ التي ستفيدُهُ بلا شكٍ كمراجعَ ؟ أليس المقصودُ بالرغبةِ في التأكيدِ على خصوصيةِ الأشخاصِ والاهتمامِ كثيراً بأصولهم هو تذكيرهم بماضٍ من المفروضِ تجاوزُهُ حتى بسبب الهجرةِ, أليس المقصودُ بهِ هوَ إرجاعُهم إلى قيمٍ مضت وإلى معاييرَ أصبحت منذُ ذلكَ الحين ساقطةً ؟ ألا تُعتبرُ الهجرةُ ذاتُها تجربةَ انفصالٍ وقطيعةٍ ومغامرةُ نحو الانفتاحِ الذي ينبغي الأخذ بهِ بعينِ الاعتبار عن طريق محاولةِ التطرق للمغتربِ من خلالِ معاييرَ ستساعدهُ على توجيهِ نفسِهِ في حياتِهِ الجديدةِ بدلاً من الاحتفاظِ في نفسِهِ بالحنينِ لوطنٍ ضائع أو في طريق الضياعِ وبدلاً من المساهمةِ في تقييدِهِ بماضٍ قد يمنعُهُ من التقدم في المستقبلِ.
2- ونتيجةً طبيعيةً لهذا النقد الأولِ: تُعتبرُ الدولةُ المستضيفةُ مسلحةً بشكلٍ كافٍ على الصعيدِ السريريِّ للردِ على اضطراباتِ هؤلاءِ الذينَ تستقبلهم دون الانشغال بالمراجعِ الثقافيةِ. ويُعتبرُ عددُ وتنوعِ الأعراقِ أيضاً عاملٌ في الدفاعِ لمصلحةِ مرجعٍ بمعيارٍ صغيرٍ يمكنُ العثور عليه على الصعيدين الطبي أو النفسي.وفي الواقعِ فإنَّهُ في حال يتم التعاملُ مع العرضِ على الصعيد الطبي والطبعقليي فإنَّهُ يُمكنُ اعتبارُ المعالجةُ الكيميائيةُ غير كافيةٍ وأنّهُ يُمكنها الاستغناءُ عن كلِّ مرجعٍ مرتبط بالثقافةِ في حال لم يكن لهذه أيُّ تأثيرٍ على الصعيدِ البيولوجي.
على الصعيد النفسي تُعتبرُ تخصصاتٌ كالعلاجِ النفسانيِّ أو التحليلِ متطورةً بشكل كافٍ للسماح للشخص بالتساؤلِ عن مشاكلهِ الفرديةِ دون اللجوء إلى الإضاءةِ الثقافيةِ. يُخاطبُ "التحليلُ النفسيّ وهوَ علم النفسِ" كلَّ إنسانٍ بشكلٍ مستقلٍ عن الانتماءٍ الثقافيٍّ.
وبفضلِ انتقادات المبدأ هذهِ تساعدُ الخبرة اليومية والممارسةُ الميدانيةُ في الإجابة على أنَّ الترسانةَ النظريةَ التي نعتقدُ أننا مزودين بها لا تمثلُ لنا للأسفِ وسيلةَ إنقاذٍ مهمةٍ وخاصةً إذا استخدمناها بطريقةٍ فظةٍ ودون معنى إضافي. إذا سؤلنا عن علاقةِ الأشخاصِ بثقافتهم فليسَ ذلك أبداً من بابِ الالتزام الآيدولوجي وإنما من بابِ احترامِ الوقائعِ ومن بابِ القلقِ ألاّ نخون الخبرة وأنْ نأخذَ بعينِ الاعتبار الملاحظة. ومع ذلكَ فماذا نلاحظُ؟
1- تطغى أشكالُ التعبيرِ عن المعاناتِ على فئاتنا في التصنيف, وأحيانا نميلُ أيضاً إلى وصفِ أقوالٍ وسلوكياتٍ بالهذيان من خلالِ جهلِ المراجعِ الثقافيةِ التي ينبغي أن تستند إليها.
2- ليسَ فقطْ أنّ الإجراءَ العلاجيّ كما تعودنا على تطبيقِهِ لا يُساعدُ على مباشرة الحوار وإنما يوقفهُ في الغالبِ. أغلبُ الأحيان ما تُجهض محاولاتُ العلاجِ لدرجةِ أنَّهُ يصعُبُ مباشرَةُ الحوار وغالباً ما تصلُ حالاتُ التكفلِ إلى طريقٍ مسدودٍ.
3- تبدو التحولاتُ الاقتصاديةُ والتكنولوجيةُ أسرع بكثيرٍ من التحولاتِ النفسيةِ. ولا يعتبرُ الوقتُ الذي يتطلبُهُ تحولُ العلاقاتِ العائليةِ والروابطَ بينَ الأجيالِ والأجناس على سبيلِ المثالِ الوقت القصيرَ نسبيا الذي يتطلبُهُ التدربُ على قيادةِ سيارةٍ. أو التعود على وسيلةِ النقلِ الجوي أو إدارة حسابٍ في بنكٍ. 4- لهذا نرصدُ أحياناً أشخاصاً, على الرغم من أنهم مندمجين جيداً في الظاهرِ بالدولةِ المُستضيفةِ إلاّ أنهم يظهرون درجةً من الاندماج الثقافي تبدو عميقةً في فتراتِ الهدوء, يتخلصُون بسرعةٍ كبيرةٍ من قناعِ التكيُّفِ في فتراتِ الأزمةِ والمعاناتِ والتوتر العصبي.
من تلك المعطياتِ الميدانيةِ ما يدفعُنا إلى الاهتمام بالقيمِ التي يلتفُ إليها المرضى عندما يظهر تهديدٌ ما.
غير أنَّ هذه القيمُ تبقى حتى الآن قيمُ تقاليدِ وطنهم الأصليِّ. تتفتتُ في فتراتِ الضعف أشكالُ الانتماءِ إلى معاييرِ الدولةِ المُستَضيفةِ بشكلٍ سريعٍ جداً, كما لو كانت خارجيةً بالنسبةِ للشخصِ. وليسَ لدينا من خيارٍ آخرَ سوى محاولةُ فهمِ هذه الثقافةِ التي ينعطفُ إليها المرضى بشكلٍ عفويٍ ويُعبِّرون من خلالِها عن قلقهمْ. لا تتعلقُ المنفعةُ التي تميلُ إلى التقاليدِ بمجردِ فضولٍ غريب ٍ من طرفنا وإنما الضرورةَ في البقاءِ أقرب ما يكونُ من الدروبِ التي يسلكها المريضُ التي تدلنا على المكانِ الذي أتى منه وإلى أينَ هوَ ذاهبٌ ومن يدعونا لمتابعتِهِ ولاصطحابِهِ في مسيرتِهِ وفي بحثِهِ عنِ الحلولِ غير المتوقعةِ في الغالبِ لمعاناتِهِ .
هلْ عيادةُ المغتربين عيادةٌ خاصةٌ
من المُفيدِ أنْ نُوضحَ أنَّ توجهَ عملنا وتصورنا للمقابلةِ السريريةِ وللإجراءِ العلاجيِّ لا يعتمدُ أبداً على أصلِ الشخصِ المحتاجِ للعنايةِ. وقد يبدو هذا الوضعَ متناقضاً نظراً للموضوعِ الخاص للغايةِ الذي نتباحثُهُ. ومع ذلكَ علينا ألاّ ننسى أننا كلّ مرّةٍ يُطلبُ منَّا فيها إصغاؤنا, نجدُ أنفسنا نتعاملُ معَ حالاتٍ مميزةٍ. وليسَ للمقابلاتِ التي يُدعى إليها الأشخاص الذين يتوجهونَ لنا من هدفٍ طبيٍّ, ولكنها لا تهدِفُ أيضاً إلى إيصالِ المرضى إلى علاجٍ نفسانيٍّ أو إلى تحليلٍ نفسيٍّ. فليست هذه نيتنا بل وليست مطلبنا. ولا تحملُ المقابلاتُ أيَّ حكمٍ مُسبقٍ على الالتزامِ المستقبليِّ بمعالجةٍ ما. الاحتماليةُ موجودةٌ بالطبعِ ولكن سيرجعُ ذلكَ للشخصِ لأخذ القرارِ في ذلكَ. يُعتبرُ اهتمامنا أساسياً أكثرَ فهوَ يقصِدُ المرحلةَ الأوليةَ التيْ تكمنُ في التطوراتِ المُحتملةِ عندَ شخصٍ يتمُّ استجوابُهُ عن كربِه. إنَّ ما هوَ ذو أولويةٍ بالنسبةِ لنا قبلَ كلِّ شيءٍ هو فهمُ ما ينوي الشخصُ قولَهُ لنا باستخدامٍ طرقٍ خاصةٍ به سواء أكانت هذه الطرق محولةٍ بشكلٍ قويٍّ إلى رموزٍ أم معدلةٍ بشكلٍ شخصيٍّ. غير أنّهُ من أجلِ فهمِهِ ينبغي عليهِ التمكنَ من الكلامِ. أليسَ دورُنا هو مساعدتَهُ في التعبيرِ قدر ما يشاء وقدرَ ما يستطيع؟ ألا يتمثلُ دورنا باحترامِ علاماتِ التعبيرِ النابعةِ من اختياره وبضمانِ تبلورٍ يتمُّ تنفيذُهُ انطلاقاً من هذه المسائلِ ومن اهتماماتِهِ, وبتأمينِ حشدٍ يتماشى وإيقاعَهُ الخاصَّ بالاستفسارِ وبإعادةِ إعدادِ أوضاعٍ جديدةٍ ؟
لا تُعتبرُ المسؤوليةُ مرادفاً للسيطرةِ, وإذا كان يتوجبُ أنْ يكونَ فيها سيطرةً للمطالبةِ بها وإدارتِها أفلا قد تكون هذهِ السيطرةُ سيطرةَ ضعفِنا الخاصِ بنا في المعرفةِ ورغبتنا بمعرفةِ أكثرَ مما يعرفُ الشخصُ عنْ نفسِهِ أو ما يُريدُ أو ما يستطيعُ لنفسِهِ؟
أليس قائدُ الجلسةِ العلاجيةُ الفعليُّ هوَ الشخصُ نفسُهُ الذي يتساءلُ حولَ معاناتِهِ والذي يطلبُ منا دعمَهُ في جهدهِ في تساؤلهِ عن نفسِهِ ؟ أليس من الواجبِ علينا السيرَ معه بدلاً من أنْ نستبقه في استكشافِ ما يُناسِبُهُ ؟ ألا يتمثلُ دورنا في اصطحابِهِ في إجرائِهِ الحائرِ, وإتباعِ منعطفاتِ بحثِهِ انطلاقاً من تساؤلاتِهِ ومن خلالِ احترامِ إيقاعِهِ باتجاهِ البحثِ عن حلٍّ شخصيٍّ للمسائلِ الخاصةِ للغايةِ التي تتضحُ على مراحلَ وبلمساتٍ صغيرةٍ على طولِ الحوارِ المُرادُ تشكيلُهُ ؟ ألا يتمثلُ دورُنا في توقعِ ما هي السبلُ المحتملةِ الملائمةِ لإعدادِ تعابيرَ جديدةٍ انطلاقاً من الأقوالِ المأخوذةِ بدلا من استباقِ الشخصِ في تحقيقِ حلولٍ خاصةٍ بهِ أو من استباقِهِ في اختراعِ تسوياتٍ جديدةٍ؟
لا يُلقَّنُ هذا الإجراءُ فقط من خلالِ اعتباراتِ إذلالٍ, فهي تُمثلُ احترامَ أخلاقياتٍ ومنطقٍ بنفسِ الوقتِ: أخلاقياتٌ تُلقّنُ من خلالِ الاحترامِ غير المشروطِ لأماني واحتمالاتِ الحشدِ ومسائلَ مؤلمةٍ غالبا. وليسَ من شأننا في الواقعِ أن نضعَ أياً كان في وضعٍ لم يطلبُهُ, ويتجاوزُ قدراتِهِ في الردِ. يعتبرُ تجاوزُ ما يُريدُ الشخصُ وما يستطيعُ لنفسِهِ مُجازفةً في تعريضِهِ للخطرِ هوَ أو ربما من حولَهُ. يبدو لنا هذا الإجراءُ منطقياً لأنَّ الشكلَ مثله كمثل محتوى جلسةٍ علاجيةٍ ليس لهُ معنىً إلاّ مقارنةً بأمنيةِ شخصٍ ما. وفي الواقعِ لا يُمكنُ تحليلُ المعداتِ ذاتها لجلسةٍ علاجيةٍ ما إنْ لم تنبثقُ هذه المعداتُ عن وضعٍ تحليليٍّ مؤشر بطريقةٍ صحيحةٍ.
الثقافةُ ومشكلةُ التعبيرِ
أثبتنا للتو أنّهُ ليسَ هنالك من خصوصيةٍ لعيادةِ المغتربينَ. وليسَ لمسألةُ المعاناةِ الإنسانيةِ من حدودٍ,ٍ إذْ يتقاسمُ كلُّ البشرِ نفسَ التأصلِ في تربةِ الأجناسِ البشريةِ والأجيالِ, حيثُ تُولدُ أيضاً المسائلُ الأساسيةُ في تكوينِ الذاتِ. إذا كانتْ المشاكلُ الإنسانيةُ في أساسها متماثلةٌ,
ففي ماذا تستجوبنا عيادةُ المغتربينَ؟ وفي ماذا تكمنُ الصعوباتُ؟
يُعتبرُ طبُ الأمراضِ العقليةِ المجالَ الأولَ الذي استجوبتهُ الظواهرِ السريرية للمغتربينَ. وأنّه تمَّ إدراكها والاعترافُ بها في هذا الحقلِ لدرجةِ أنّها فرضتْ نفسها على الطبيبِ بقوةٍ. ساعدَ علمُ الأمراضِ الحادةِ وهو مختبرُ الطوارئ الفعليِّ على إبرازِ سوء الفهمِ الذي يولِّدُهُ اللقاءُ مع الأجنبي عبر اضطراباتِهِ. ومن المُفيدِ التذكيرُ ببعضِ الملاحظاتِ التي أصبحتْ اليومَ تقليديةً وأصبحَ الاتفاقُ بشأنها شبهُ إجماعي. سبق وأشار "كرايبلان" حوالي عام 1905 إلى تقلباتٍ علمِ الأمراضِ العقليةِ حسبَ الثقافاتِ. ولم نكن نعرف كيف نجيبُ على هذه الملاحظاتِ والمسألةُ غير منتهيةٍ حتى أيامنا هذه: هل التغيراتِ المُراقبةِ هيكليةٌ أم شكليةٌ؟ أي هل تتعلقُ بالتعبيرِ أم بتشكيلةِ الشعبِ المُراقبِ؟
نلاحظُ في أيامنا هذه أن علمَ الأمراضِ العقليةِ الحادةِ عندَ المغتربينَ يتميزُ بشكلٍ أساسيٍّ بظهورٍ هذياني يكون فيهِ النموذجُ نفحةٌ هذيانيةٌ حادةٌ. غير أنّهُ إذا قارنَ الواحدُ النفحةَ الهذيانيةَ كما نعرفها في أوروبا مع تلكَ التي نلاحظها عندَ الأفارقةِ وأفارقةِ الشمال يتبيّنُ لنا أنَّ نفس المفهوم يُغطي ظاهرتينِ مختلفتينِ: تُغطي النفحةُ الهذيانيةُ الحادةُ في التصنيفِ الفرنسي من 4 إلى 5% من الحالاتِ العصابيةِ والذهانيةِ السيئةِ في حين تُمثلُ ما بينَ 30 إلى 40% من الحالاتِ الإفريقيةِ والشمال أفريقية الحادةِ.
ومن جهةٍ أخرى, في حين أنّ النفحة الهذيانية تُعتبرُ في أوروبا كمؤشرِ دخولٍ في مرحلةٍ من الفصامِ, لا يُبديْ ظهورها في العيادةِ الإفريقيةِ أي حكم سابقٍ لتشخيصٍ مرضيٍّ سيءٍ. والأفضل من ذلكَ أنَّ حالات تكرارها التي تُعتبرُ كمؤشرٍ مؤكدٍ وتأكيداً على الذهانِ في الإطارٍ التقليديٍّ لا تراهنُ بشكل انتظامي على الحالةِ الصحيةِ العقليةِ للشخصِ في الإطار التقليدي.
وتظهرُ بشكلٍ خاص عندَ الشباب وعندَ الإناث في أوروبا, في حين تظهرُ في أفريقيا عند المُسنينَ الذين تتراوحُ أعمارهم من 40 إلى 50 عاماً وعندَ الرجالِ والنساء على حدٍّ سواء.
وتُعتبرُ الهذيانات التي تمَّ رصدها بشكلٍ عام ذاتَ مغزىً اضطهادي وذات آلية تأويليةٍ.
على الرغم من كثافةِ حضور الهذيانِ إلاّ أنّهُ لا يفرضُ نفسَهُ كقطيعةٍ بينَ المريضِ ومن حولَهُ . إذْ يحتفظُ المريضُ في الغالبِ بقدرتِهِ على بناء علاقاتٍ معَ الغير ولا ينقطعُ عن الوسطِ الذي يعيشُ فيهِ.
وتمَّ رصدُ المزجِ الزماني والمكاني المعهود كثيرا في النفحةِ الهذيانيةِ الأوروبيةِ بشكلٍ طفيفٍ عند المرضى الأفارقةِ.
تعتبرُ الحالاتُ العصبيةُ الاستحواذيةُ المُنظمةُ نادرةً أو شبهُ معدومةٍ, بينما يُرصَدُ ازدهار طقوسٍ استحواذيةٍ مُحولةٍ اجتماعيا إلى رموزٍ ومُقدمةٍ للشخصِ لإيقافِ القلقِ.
تعتبرُ الكآبةُ الهذيانيةُ, كما تظهرُ في أوروبا بمغازيها من دناءةٍ وعدمِ قدرةٍ واتهام للذاتِ والشعور بالذنب, غائبةً في العيادةِ الإفريقيةِ.
وفي المقابلِ فإنّ الإحباطَ شائعٌ ويظهرُ بين بين عن طريقِ فزلجاتِ المرضِ المكثفةِ والتي تُصيبُ بالعجزِ.
وبالنسبةِ للاضطهادِ فيلونُ كلَّ الظاهراتِ سواء أكانت فرديةَ أم جماعيةٍ. فهي تُقترحُ كتبريرٍ لكلِّ اضطرابٍ, وهي حاضرةٌ في كل تعبيرٍ مرضيٍّ وهي تُشكلُ جزءاً من النسجِ الدقيقِ للروابطِ الاجتماعيةِ التي تحصرها في ضبطٍ دقيقٍ خارج المرضِ.
يصعبُ عزلُ وتعريفُ عناصرُ السلسلةِ الهَلسيةِ. فهل المقصودُ بذلكَ الجيرانُ ؟ أم أحلامٌ نهاريةٌ؟ أم ظواهرٌ زخرفيةٌ أم هلوساتٌ فعليةٌ ؟ وغالبا ما تكون هذه العناصرُ ممزوجةً.
تُعتبرُ الشكاوي الجسديةُ القاعدةَ خارجَ اللحظاتِ الهذيانيةِ. فهي تُمثلُ الميزةَ في كونها حالاتُ دفاعٍ ضدَّ التصاعدِ الهذياني من جهةٍ وتُمثلُ تعبيراً متخفٍ للخوفِ من جهةٍ أخرى.
وللخوفِ بدوره ميزتان: فهو بدون موضوعٍ, ويطولُ ببطءٍ وبغموضٍ عن طريقِ الاضطهادِ. وحدودهُ ليستْ واضحةً أبداً.
إنَّهُ بدون موضوع بمعنى أنّهُ يشملُ عالمَ الكائناتِ والأشياءِ بشكلٍ كاملٍ وهو لا يعزلُ عنصراً سيفيدُ في استقطابِ القلقِ لتحرير ما يتبقى في حقلِ النشاطِ البشريِّ(مثال تقليدي عن الخوف من الخلاء, الخوفُ من الانغلاق, الخوف من الكلابِ, من القططِ, من حيوانٍ عازمٍ, من وسيلةِ مواصلاتٍ مميزةٍ, الخ...), يبرز الخوفُ كعدمِ قدرةٍ في إيقاف القلقِ من خلالِ تثبيتها بطريقةٍ اختياريةٍ على موضوعٍ محددٍ.
يعتبرُ كلُّ موضوعٍ وكلُّ كائنٍ وكلُّ وضعٍ مقلقاً بشكلٍ محتملٍ.
تؤدي هذه الملاحظات إلى تعليقِ حُكمِهِ وعدم التعجلِ في تشخيصٍ ما. ويبدو ضروريا الانفصالُ عن الشبكةِ المتعلقةِ بوصفِ الأمراضِ المستخدمةُ بالمعتادِ والتفكيرُ بإرجاعِ الأعراضِ المرضيةِ لأسبابٍ أخرى. لا يوجدُ "ما هو مرضي" بشكلٍ مطلق, فلهُ مظهرٌ معياري, إذ أنَّهُ لا يُصنفُ بالمرضي إلاّ ما هو أولاً مرضي بالنسبةِ لمن حولَهُ. ويُعتبرُ هذيانياً ما هو أولا هذيانيٌ من وجهةِ نظرِ ثقافتِهِ. لنتفرضَ أن علينا القيامَ بتشخيصٍ لاضطراباتِ مغتربٍ: فالعَرَضُ الأولُ الذي يواجهنا هو عرَضُ الاضطهادِ وهو قويٌ جداً لدرجةِ أنّهُ يَصعُبُ علينا عدم التفكير بالذهان التأويلي, ولهذا يميلُ الأطباءُ المخدوعونُ بهيمنةِ المواضيعِ الاضطهاديةِ هذهِ في عملِهم إلى إثباتِ وجود هذيان ذهاني تأويلي أو ذهان تأويلي حسيّ أو على الأقل هذيان شبهُ ذهاني تأويلي. فهل الشعوبُ المغتربةُ لا تحوي إلاّ أشخاصاً يُعانونَ من الذهان التأويلي؟ أو أفلا يُمثلُ بشكلٍ قطعيٍ وصفُ الأمراضِ المتعلق بطب الأمراضِ العقليةِ الذي نميلُ لاعتبارِهِ كأمر عالمي تعبيراً للسياقِ الاجتماعي الذي تكوّن فيه ؟ ألا يدلُّ بطريقةٍ خاصةٍ على التعبيرِ عن معاناتِهِ في عالمٍ ما ؟ ألا يعتمداُ على الوسطِ الذي تكونَ فيهِ ؟ وإذا أخذنا أيضا صفات الانفجار الهذياني بعين الاعتبار, وبشكلٍ رئيسي ارتداده وإنعكاسيته, أفلا يؤدي بنا الأمر لنتساءلَ ما إذا لم يكن لدينا هنا تعبير ثقافيٌ مسموحٌ به ومُحوَّلٌ إلى رموزٍ يساعدُ الشخصَ على التخلصِ من ضغوطِهِ بطريقةٍ غير مكلفةٍ بدلاً من تزايدِ نشوءِ مرضٍ ما في طور التطور والتأصلِ ؟ ينبغي أنْ يُساعدنا ظهورُ المعانات التي تبدو لنا كخصائصَ إثنيةٍ في تساؤلِنا عن أصالةِ تركيبةِ الشخصِ في وسطٍ تقليديٍ ما. فما الرابطُ الذي قدْ يوجدُ بين تكوين الشخصِ وثقافتِهِ ؟
تؤكدُ فظاظَةُ اللحظاتِ الهذيانيةِ بالطبعِ على الانطباعَ بعدمِ إمكانيةِ التواصلِ ولكن لا تُعتبرُ الصعوباتُ فيها أقلُّ حضورا في كلِّ مقابلةٍ خارجَ اللحظاتِ الزخمةِ بالأحداثِ. وهكذا تكونُ الشكاويٍ الجسديةُ وراءَ العديدِ من الاستشاراتِ. ما الظنُّ بهذهِ الشكاوي المتكررةِ, التي يُنطقُ بها دائماً على نغمةٍ واحدةٍ, مماثلةٌ دائماً لبعضها البعض, ومتمثلة في شكلٍ مغلقٍ ولا يبدرُ عنها في الرؤيةِ والسماعِ إلاّ ما يبدرُ عن جسدٍ يكون مرتعاً للآلامِ التي لا يُمكنُ تصورها ؟ إنَّ محاولاتنا لدفعِ أقوالِ المريضِ لسياقِ أوسع من شأنهِ تزويدنا بالمعلومات يبدو بدون طائلٍ في أغلب الأحيان.
تبقى الشكوى مُقيدةً بالجسدِ وتستمرُّ. أينبغي اعتبارُ أنَّ المريضَ أخطأ في العنوانِ وأنَّ ما يحتاجُهُ فعلاً هوَ طبيبٌ ؟ أينبغي توجيههُ نحوَ استشارةٍ طبيةٍ, أم نحوَ مختصٍ يهتم بالتكفلِ التقني بالجسدِ ؟ أينبغي توجيههُ لعدم توفرِ الحشدِ المُمكنِ نحو علاجاتٍ جسديةٍ ؟ أينبغي أنْ يكون في ذلكَ تعبيراً جسدياً نفسياً للنزاعاتِ الجاهزةِ للانفجار, ولكن كيفَ نُضمنُ عرضاً شفوياً إذنْ؟
تمّ وضعُ نظرياتٍ بخصوصِ الشكاوي الجسديةِ الجدُ شائعة عندَ المغتربينَ:
تمّ عرضُ الفكرةِ والتي بناءا عليها يُجبرُ المغتربُ المنقطعُ عن عالمِهِ التمثيليِّ المعتادِ, والمحرومُ من المراجعِ الثقافيةِ, وخصوصاً الذيْ لا يتحدثُ لغةَ الدولةِ المستضيفةِ على الرجوعِ إلى "جسدٍ خاصٍ" للتعبيرِ عمّا لا يستطيعُ قولّهُ بواسطةِ الحديثِ ؟ ومع عدمِ نفاذِهِ إلى عالم الحديثِ الرمزيِّ كما يتمثلُ خارجَ وطنِهِ لم يعدْ يبقى لهُ سوى الرجوعَ إلى الجسدِ الخاصِ الذي أصبحَ رسولَ انفعالاتِهِ الوحيدَ. ومخرجَهُ الوحيدُ هوَ التراجعُ نحوَ ما تحتَ التعبير الشفوي, نحوَ علامةَ اللمسِ, الحساسيةِ, والحساسية العضويةِ للتعبيرِ عن يُربِكُهُ. وإجمالاً قدْ تُجبرهُ استحالةُ التحكم بلغةِ التعبيرِ الشفوي بالتراجعِ نحو ما تحتَ التعبير الشفوي عن طريق الاستخدام الإجباري للجسدِ المُوظفِ كمكانِ تبادلٍ مُحتملٍ. تؤيدُ فرضيةٌ أخرى فكرةَ أنَّ استخدامَ الجسدِ عن طريق فزلجةِ المرضِ هوَ ميزةُ شعبٍ أرضيٍ مقيدٍ بالأرضِ, مزود بلغةٍ فعليةٍ بشكلٍ أساسي, لغةٌ جديرةٌ بالتعبيرِ عن الاحتياجاتِ الأساسيةِ, الاحتياجاتِ الأوليةِ. إلاَّ أنَّ التحكم الحر بلغةٍ مجردةٍ هو وحده الذي يمنحُ المهارةَ في التعبيرِ عن عالمِ المؤثرات.
يرى آخرون في جسمنةِ المعاناةِ هذهِ عدم القدرةِ على التوصلِ للإستيهامات. ومن هنا تأتي الفكرةُ باقتراح تلاعباتٍ جسديةٍ على المرضى من شأنها العمل على زيادةِ الإستيهاماتِ بشكل غير محسوس.
هل هذهِ الفرضيات مثبتةٌ بواسطةِ الخبرةِ ؟ هل تفتحُ أفقاً جديدةً في البحثِ ؟
صحيحٌ أنّ مراجعنا في الممارسةِ اليوميةِ تَتعرضُ لتجربةٍ قاسيةٍ. ليس فقط أنها لا تُساعدنا على تأمين الحوار ولكنها تجازفُ في الغالب بدفعِهِ إلى طريقٍ مسدودٍ.
وكيف الردُ مثلاً على هذا المريض الذي يداهمنا بهدوء بهذا السؤال الملح: " ماذا تقول لي إذن يا دكتور ؟ هيا, هيا, فأنا أستمعُ لكَ." نحنُ محتارون. أهذا من باب الدعابةِ أم من بابِ الاستفزاز ؟ هنالك قلبٌ للأدوار بوضوحٍ!أينوي المريضُ زعزعتنا, اختبارنا ؟ فهنا حيثُ اعتدنا على أن نندثرَ بطريقةٍ فاعلةٍ لتركِ المجالِ لحديثِ هذا الذي قد يتساءلُ فعلياً عن معاناتِهِ, نحنُ مدعوون - لِكي لا نقولَ أننا مًجبورونَ – بشغلِ كلِّ الفضاء الخاص بالحوار, فكيفَ المخرجُ ؟ كيف نجعلُ الحديثَ يتطور ؟ نحنُ نجهلُ ما هيَ الطريقُ التي يتقبلها المريضِ والتي من شأنها أنْ تُسهِّلَ لنا التعبيرَ. فكيف ندعوهُ للحديثِ ؟ كيف نبدأ الحديثَ ؟ كيف نساعدُهُ في التعبيرِ عن نفسِهِ دونَ أن نُعرِّضَهُ للخطر, أيْ دون أن نجعلهُ يُجازفُ بالدخولِ في نزاعٍ مع ثقافتِهِ, مع غاياتِهِ, دونَ إلزامَهُ بتأييد حديثٍ غير مقبول, حديث مرفوض من جهةِ التقاليدِ؟ لا نستطيعُ البدءَ بتحليلِ المواضيعِ المتقدمةِ والآلياتِ المُنفذةِ في حين أننا نجهلُ ما هو المكانُ الذي نشغلهُ بالنسبةِ للمريضِ وما هو المكان الذي نُخصصُهُ لهُ بإدخالِهِ بواسطةِ تعابيرنا في تحفيزات شخصيةٍ؟ لا نعرفُ كيفَ نتحدثُ معهُ ليس فقطْ لأننا نجهلُ لغتَهُ فعلياً ولكن لأننا نجهل لاسيما بأيِّ طريقٍ مسموحٍ به اجتماعيا يُمكنُ لهُ الحديث؟ كيف نتطرقُ في الواقعِ إلى مسألةَ العلاقاتِ الاجتماعيةِ في حين أننا نجهلُ الحقوقَ والواجباتِ التي تنظمُ العائلاتِ وتديرُ التبادلاتِ البين عائليةِ؟ عندما نستقبلُ عائلةً ما, أمن غير المهم مخاطبةُ العضو أو العضو الآخر في هذهِ العائلةِ بلا اكتراث حسب احتياجاتِ المقابلةِ ؟ أو يا ترى هل يوجدُ هنالك نظامُ تَصدُّرٍ يجبُ احترامُهُ, وإلى ماذا يُشيرُ ؟ هل يمكن طلبُ رأي امرأةٍ بحضورِ زوجها ؟ على ما أتى زوجها على ذكره ؟ أيمكنُ مخاطبةُ طفلٍ مباشرةً بحضورِ والدهِ ؟ أكلُّ المراتب متساويةٌ فيما يخصُ مباشرةَ الحديثِ ؟ أم ينبغي أنْ تحظى بعضُ الأحاديثِ بتصريحٍ قبلَ ذكرها ؟
كيف يُفهمُ تفسيرُ الأمراضِ من خلال الاضطهاد, أكان تفسيرُ الآخرين أم تفسيرُ الجِنِّ ؟ كيف تُفهمُ تفسيراتُ صروف الدهرِ وحالات الفشلِ المتنوعةِ الناجمةِ عنِ الغيرةِ ورغبة الجوار الهدامةِ ؟ في ماذا يُساعدُ الاضطهادُ على حلَّ المشاكلِ الشخصيةِ؟ من المحتملِ أنْ يقودنا الجهلُ بدوافعِ الحديثِ, بمشروعيتهِ وبالمدارات التي تُجيزُهُ أوْ تمنَعُهُ, إن لم ننتبه لذلكَ, إلى إدخال الشخصِ إلى نطاقاتِ تعبير مُقلقةٍ وخطيرةٍ من خلال أسئلتنا غير المُنذرِ بها. ألا يُحتملُ أن نُسببَ مجازاة بالمثل بدعوةِ الشخصِ إلى طرقٍ غير مؤشرةٍ ؟ وتبقى كلُّ هذهِ الأسئلةِ مفتوحةً.
ألا يوجد في عملنا على الأقل مرحلتين يجبُ احترامُهما ؟ قد تُكرسُ المرحلةُ الأولى لمعرفةِ الوسطِ والثقافةِ الأم لفهم ما ينوي الشخص أنْ يقول لنا من جهةٍ, ووضعِ طرقِ تعبيرٍ في خدمتِهِ من جهةٍ أخرى. ومع ذلك يُطرحُ سؤالانِ بخصوصِ بحثُ المراجعِ التقليديةِ هذا: كيف يتمُّ الاستعلام وكيف نستخدمُ معلوماتنا في عملنا ؟
1- كيف يتمُّ الاستعلامُ ؟
يبدو من الطبيعي البحثُ عن مراجعَ تقليديةٍ عندَ المريضِ بخصوصِ ثقافتِهِ. ألا يُعتبرُ ذلكَ في الواقع مُمثلاً ثميناً ؟ قد يبدوا من البديهي لنا أن نطلبَ منهُ أن ينورنا بتقاليدِهِ لمحاولةِ إعطاء معنىً للأقوال التي يسردها علينا. ومع ذلك ينبغي علينا أن نتساءلَ عمّا يتضمنُ مثلُ هذا الإجراء. أنْ نبحثَ بشكلٍ انتظامي عندَ المريضِ عن معلومات من شأنها تعويدنا على تقاليدِهِ, وأن ننتظرَ منهُ أوصافا ثقافيةً مؤهلة لوضعِ إطارٍ لأقوالِهِ يعني أن نحاول تحويلهِ بمكرٍ إلى مُخبرٍ لخدمتنا وبنفس المناسبةِ لنحلَّ محلَّ العالم بالسلالةِ ؟ يفقدُ تحليلُ مضمون أقوال المريضِ في هذه اللحظةِ كل معناه, لأنَّ ما يبني الآن علاقة المقابلةِ لم يعدْ طلبُ المريضِ وإنما طلب المُحللِ الذي تحولَ بنفس الوقتِ إلى باحثٍ عن المعلوماتِ. وقد نتركُ بهذهِ الطريقةِ سَجلُّ العيادةِ التحليليةِ لهذا المختص بالسِلالة, وبالطبع لا يُمكنُ الاستغناء عن بحث المعلومات ولكن لا يمكن القيامُ بهذا البحثِ أثناء المقابلةِ.
وخارج الجلسات علينا في الواقع أن نُغنيَ معرفتنا بتقاليدِ من نخاطبُ وهو ما يُساهمُ أيضا في تربيةِ عاطفتنا. ولكن هنالك عدم تكافؤٍ بين مجرى المقابلةِ والبحثُ عن معلوماتٍ بنفس الحركةِ, وبنفسِ الزمن. وتُعتبرُ هذه النقطةُ من جهةٍ أخرى مشكلةَ تحكمٍ عاديةٍ في الحقلِ التحليلي, حتى عندما نتعاملُ مع مرضىً أوروبيينَ.
لا يمكن لطلبِ المحللِ أنْ يُرتبَ مقابلةً, ليس لطلبِ المُحللِ إلاَّ العدولَ عن جلسةٍ علاجيةٍ تتلخصُ في تكرار للمبدأ.
2- كيف تُستخدمُ المعلوماتُ ؟
تعتبرُ معرفةُ عادات وتقاليدِ محاورينا مرحلةً مهمةً تساعدُ على وضعِ الديكور الذي ستنتشرُ فيهِ أفعالُ وعواطفُ كل واحدٍ.
وستُدخِلُنا هذه المعرفةُ أيضاً إلى حقيقةِ نظامٍ اجتماعي, إلى أكثر أو أقل ترابط منطقي للقواعدِ المستخدمةِ. فهي تفتحُ لنا المدخلَ إلى رموزِ التعبيرِ, إلى التصورات المختلفةِ للشقاء ومُضادّهُ, الخ... لكن ما هوَ الاستخدام الذي سنقومُ به ٍ بالنسبةِ لمعارفنا ؟ وتسمحُ لنا المعلومةُ التي في حوزتنا عن أهميةِ الاضطهادِ في العالمِ التقليدي مثلاً بربطِ الشقاء الذي نشتكي منهُ بنوايا الجوار أو الأرواحِ السيئةِ ؟ أينبغي أن تحثنا معرفتنا للنماذج الاجتماعيةِ للاضطهادِ الممارسِ عند الجماعةِ الأصليةِ للمريضِ على التساؤلِ عن شتى الأساليب السحريةِ التي قد يكون المريضُ ضحيتها ؟
علما بأنّهُ أياً كان المرضُ مثلاً فهو يعتبرُ دائماً كنتيجةٍ لقوى خارجيةٍ مؤذيةٍ, أينبغي علينا حث المريضِ بهذا الحد ليحدثنا عن قوى الأرواحِ والعفاريتِ الفوق طبيعيةِ ؟ علما بأن الواقعَ في المرضِ هو دائماً ضحية, أينبغي علينا أن نقترحَ على هذه المرأة التي سخطَ عليها القدر بإصابتها بالعقم أن تُحدثنا عن غيرةِ ورغبةِ الجوارِ المدمرةِ ؟ أينبغي أن نقود هذه المرأةُ التي تفشلُ في محاولاتِها بالارتباطِ بشريكٍ لتروي لنا ما تعرفُهُ عن الأساليب السحريةِ ؟ أينبغي أن ندعو هذا الرجل الذي ما انفكَّ يُشلُ عن الحركةِ بسببِ حوادثِ العملِ والذي لا يستطيعُ حمايةَ أبنائِهِ من الجنوح ليحدثنا عن لعنةِ السماء ؟ أينبغي أن نقترحَ عليهم من بابِ الإخلاصِ لثقافتهم والإخلاصِ لتمثيلِ المرضِ طريقةً تقليديةً في تفسير مصيبتهم وأساهم ؟
لا تعني معرفةُ تقاليدِ هؤلاءِ الذين يستشيرونا أنّهُ ينبغي حبسهم فيها. وبما أنَّ البشر ليسوا في الواقعِ مجرّدَ نسخٍ لنظامٍ اجتماعي, فلا يُمكننا إبقاءهم في وضعِ صورٍ نمطيةٍ يمكن نسخها إلى ما لا نهايةٍ ومماثلة لبعضها البعض.
حقيقةُ أن أشخاصاً أجانبَ يتوجهون إلينا يعني أنهم لا ينتظرون كلَّ شيءٍ من تقاليدهم أو أنَّ تقاليدهم لم تعدْ تستطيعُ الإجابةَ على أسئلتهم وبشكلٍ أساسي في مجالِ الشقاء والمصيبةِ والأسى.
يُعتبرُ القيامُ بفكِّ رمز موضوعي تصرفاً نابعاً عن جهلٍ لمواضعَ مُحاورينا إزاءَ التفسيراتِ التقليديةِ ومجازفةً في زعزعةَ عائلةٍ ما. لأنَّهُ ليسَ لكلِّ الأشخاصِ بشكلٍ اضطراري نفسَ الوضعِ إزاءَ أعرافِهم.
ومن جهةٍ أخرى يُمكنُ للفردِ أنْ يستخدمَ المواضيعَ التقليديةَ للتعبيرِ عن مواضعَ شخصيةٍ. إذْ لا يستطيعُ الشخصُ أنْ يقتصرَ على موضوعٍ ما, ولا أنْ يختلطَ بمجموعةٍ ما.
وتساعدنا هذه الملاحظةُ على التطرقِ للمرحلةِ الثانيةِ من عملنا, والتي قدْ تتضمنُ السيرَ معَ الشخصِ في طريقِ تبني ما يستعيرُهُ منَ السياقِ الثقافي والاجتماعي لمعالجةِ مشكلةٍ خاصةٍ بهِ. وهكذا نلتقي من جديدٍ إذن بإجراءٍ مألوفٍ لنا, إجراءُ المرافقة في مسألةٍ ما بناءاً على تجربةِ إصغائنا, إجراءُ قصةٍ تنحلُّ وتنبني على طولِ سلسلةٍ من التحولاتِ المميزةِ غير المتوقعةِ.
النقاشُ
بيير ستانيسلاس لاجارد
إنَّ السؤال الأول الذي يتبادرُ إلى ذهني فيهِ نوعٌ من التحذيرِ الذي وجهناهُ لأنفسنا نحن أنفسنا بِدْءاً بهذا المنتدى, حيثُ نتعاملُ في الاستشارةِ المتعلقةِ بطبِّ الأمراضِ العقليةِ معَ أجانبَ, وقد يكونُ فيها انزلاقاً سهلاً نحوَ نوعٍ من وصفِ أمراضِ الأجنبيِّ.
سأوضحُ سؤالي : في لحظةٍ معينةٍ لا نعلمُ جيدا ما إذا أنت تتحدثُ عنْ نشوء الأمراضِ المتعلقةِ بالهجرةِ أم إذن عن نشوء أمراضِ عند فردٍ يتواجدُ في وضعِ هجرةٍ. عندما تتحدثُ أنتَ عن لحظات الاختلال العقلي هذه فخلالُ أيٍّ منها سيقومُ المغتربُ "برجوعٍ", " بتراجعٍ" (أعيد استخدام مفرداتكَ), أليس ذلكَ هوَ نشوءُ الأمراضِ المتعلقةِ بالهجرةِ ؟
أشعرُ أنَّ إحدى المظاهرِ الصعبةِ عندما نبدأُ بالحديثِ عن علم النفسِ المرضي عندَ الأجانبِ هو أن نعرفَ عمّنْ نتحدثُ. أيخصُ ذلكَ أناساً في وضعٍ ثقافي ؟ أنتَ تذكرُ على سبيلِ المثالِ تجربةَ الأورتيغ : فهؤلاء الذين يعتنونَ بهم ليسوا بالمغتربين وإنما أفارقةً يتواجدونَ عندهم...
مهند شعبان:
في المقابلِ كنا قدْ قمنا في ذلكَ الوقت بدراسةٍ متعلقةٍ بعلمِ الأوبئةِ في "سانت-آن" على المغاربةِ والأفارقةِ الذين أيدوا على كل حالٍ وأكدوا تماماً الملاحظاتِ الإفريقيةِ, مقارنةً معَ علمِ الأوبئةِ مثلاً.
بيير ستانيسلاس لا جارد
هل الخلطُ بين علم الأمراضِ المتعلقِ بالهجرةِ وعلم الأمراضِ المُتعلقِ بالأفرادِ في وضعِ الهجرةِ أمراً لا يمكنُ تجنبهُ ؟ يبدوا لي مثلاً, مقارنةً معَ هيمنةِ الشكاوي الجسمانيةِ أني قرأتُ أنَّ هذه الشكاوي شائعةٌ في الدولةِ نفسها بقدر ما هي شائعةٌ في وضعِ الغربةِ. هنالك أمورٌ يبدو أنها لا تتغيرُ أكنا في الدولةِ الأمْ أمْ في الغربةِ.
إلى جانب ذلك, كان البروفسور موسوي وخلال أولِ لقاءٍ لنا هذا العام يجعلنا نُلاحظُ أنّهُ تمَّ حضورُ تحولاتٍ هامةٍ جداً متعلقةٍ بعلم النفس المرضي في الجزائرِ.
كنت تذكرُ ندرةَ بل عدمَ وجودِ الكآبةِ في الوسطِ الأفريقي. يصفُ بعضُ أطباء الأمراضِ العقليةِ في دولِ المغرب وجودَ تطوراتٍ كئيبةٍ يُرافقُها اتهامُ الذاتِ وأفكارٌ انتحاريةٌ. أجريتْ هذه الدراسةُ في قسطنطينة خلالَ 17 عاماً تقريباً. رصدَ فيه أطباءُ الأمراضِ العقليةِ ارتفاعاً مدهشاً في مُحاولاتِ وحالاتِ الانتحار...
مهند شعبان:
عفواً: لا تُعتبرُ محاولةُ انتحارٍ أو انتحارٌ مرادفاتٍ للكآبةِ الهذيانيةِ. انتبه!الانتحارُ هو عرضٌ مرضيٌّ. يمكنُنا الانتحارُ بطرقٍ شتى. فشخصٌ مصابٌ بعصابٍ أياً كان, أو حتى رجلٌ عادي قد ينتحرُ...
السيدة : x
ليسَ في كلِّ الثقافاتِ...!
مهند شعبان:
فعلاً ليسَ في كلِّ الثقافاتِ.
بيير ستانيسلاس لاجارد
ومهما كان, إذا بقيَنا ببساطةٍ على هامشِ السلوكيات الانتحاريةِ ومحاولاتِ الانتحارِ هذه فبوسعنا القول أنَّ شيئاً ما تغيرَ.
مهند شعبان
المشكلةُ لا تزالُ قائمةٌ, يمكننا التوقفُ هنا.نلاحظُ أنَّ هنالكَ شيئاً ما قدْ تغيرَ.
ما الذي تغيرَ ؟ هل هوَ تشكيلُ الموضوعِ ؟ أم هل هو التعبيرُ المرضي الذي تغيرَ ؟ لم يعدْ يُعبرُ اليومَ عن الهستيريا بنفس الطريقةِ التي كان يُعبرُ فيها عنها في زمن "شاركوت". جعلَ تحولُ السياقِ الاجتماعي الناس يتمكنون من التعبيرِ عن اضطرابهم وتدهور أوضاعهم بطريقةٍ أخرى غير تلكَ التي كانوا يستطيعون التعبيرَ بها في السابقِ.
سأعطيك مثالينِ:
محاولاتُ الانتحارِ عديدةٌ جداً عند الشابات, لوحِظَ ذلكَ بشكلٍ أساسيٍ عندما يُدفعنَ أو يُجبرنَ على الزواج على غيرِ إرادتهن. غالباً ما "كنَّ ينجحنَ" في محاولاتهنَّ في الانتحارِ. الأمر الذي كان يجهضُ الزواجَ.
لكن يُمكن رؤيةُ ظواهرَ أخرى أيضاً. رأيتُ على سبيلِ المثالِ عدداً معيناً من الشاباتِ اللواتي حاولنَ الانتحارَ واللواتي كنَّ فجأةً, وقبلَ الزواجِ أو العرس بعدةِ أيامٍ, يُصبنَ بالاختلالِ العقلي ويقمنَ بالهذيانِ. كانت تسكنهنَّ روحٌ أو جنٌ لمْ أعدْ أعرفُ كيف نسميْ ذلكَ: سقوبة أو حضونٌ... وهو جنيٌ ذكرٌ جاء ليمتلكهنَّ. النتيجةُ آنيةٌ, وهو أنَّ امرأةٌ مسكونةٌ بروحٍ لا يُمكنها الزواجُ. أنتَ ترى إذن كيفَ يتمُّ تبني الحل بشكل فردي, في حين يُقدِّمُ السياقُ العامُ إمكانيتينِ.
فهنالكَ واحدةٌ تستخدمُ المرجعَ التقليدي العادي تماما والذي يتمثلُ بسُكنةِ الجسدِ من قبلِ الجنِّ. وليس لأحدٍ أنْ يقولَ أيَّ شيءٍ. نستعين بناسكٍ ونقومُ بالعلاجِ التقليدي ولكن الزواجَ مُوقفٌ أو على الأقل متروكٌ على الهامشِ.
ومن الجانب الآخر, هنالكَ الشاباتُ العصرياتُ, إذا تسنى لنا تسميتهنَّ بذلكَ, اللاتي يستخدمنَ وسيلةَ احتجاجٍ تتمثلُ بمحاولةِ الانتحارِ.
ما هو مهمٌ بالنسبةِ لنا إذن هو ألاّ نخلطَ بين المشكلةِ والتعبير عنها, بين المسألةِ الشخصيةِ والإنسانيةِ وشكلها.
على مستوى التعبير, تتباعدُ الثقافاتُ وتنفصلُ وتتميزُ. ولكن على مستوى مشكلةِ الإنسان الأساسيةِ فالأمرُ مشابهٌ تماماً. لا يوجدُ إنسانيةٌ متعددةٌ إلى هذا الحد.أيْ أننا كلنا من أمٍّ واحدةٍ وأبٍ واحدٍ وأنَّ المشاكلَ التي يسببها ذلكَ هي على كلِّ حال مشاكل مماثلةٌ. لكنَّ الطريقةَ في التعبيرِ عنها أوْ قولها مختلفةٌ.
يمكنني إعطاءُ مثالٍ على ذلك أفريقيا. أنظر كيف نشأتْ في أفريقيا طبقة وصف أمراضٍ تقليديةٍ فعليةٍ. لديكَ إجمالاً ثلاثة مراجعَ لتفسيرِ المرض العقلي في أفريقيا:
التفسيرُ القائمُ على امتلاكُ الشخص من قبل جنيين سلفيين نسميهم "الأرباب" .
التفسيرُ القائمُ على شعوذةِ أكلِ لحومِ البشرِ: فالمشعوذُ هو الذي يفترسُ الشخص.
وأخيراً التفسيرُ القائمُ على الشعوذة, أي أساليب الجوار السحريةِ التي تسعى لإلحاق الضرر بالشخصِ.
لكنكَ ترى أنّهُ من خلالِ هذه المراجعِ الثلاثةِ لا يخصُ الأمرُ إلاّ نفس المسألة وحدها: أن تكونَ مريضاً تعني أن تكونَ مضطهداً إمّا من قبلِ الآخرينَ أو من قبلِ الأسلاف أو من قبلِ المشعوذِ.
المنفعةُ هي أن تعرفَ فقطْ أيُّ مرجعٍ سَيستخدمُ الشخصُ ليظهرَ أنّهُ ليس على ما يُرامُ. هل سيتوجهُ إلى شعوذةِ أكل لحومِ البشرِ, هل سيقولُ أنّهُ مريضٌ بسببِ الأسلافِ, أم سيقولُ أنّ "الجيرانَ يُريدونَ بي السوءَ" ؟ وهذا أمرٌ مهمٌ لأنّهُ لا يحشدُ نفسَ الأوضاعِ الشخصيةِ. كما لو كانَ المجتمعُ يُقدمُ خياراً أو بدائلَ خيارٍ ليعبرَ عنْ بلواه.
السيدة x :
كنت يا مهندُ شعبان تتحدثُ أيضاً عن الصعوبةِ التي يُواجهها الأطباءُ النفسانيون مع مرضاهم في الدولةِ الأم. يُمكنُ الإجابةُ في الحال بالقولِ أنّ هذا هو فعلُ غزوِ التقنيةِ الأوروبيةِ في الواقعِ, وأنّهُ ليسَ بالمدهشِ أنْ يكونَ هنالك هذا القدرُ من الصعوباتِ في الحديثِ, وفي أن ُيتاحَ لهُ الحديثُ والتحدثِ عن الذاتِ. ليستْ المسألةُ مسألةُ مكانٍ ولكن مسألةَ مكانٍ عقليٍ. سيكون المكانُ العقليُ الذي تمتْ تهيئتهُ مكاناً غربياً.
بيير ستانيسلاس لاجارد:
يأخذ سؤالي اتجاهاتٍ أخرى. لمن يتوجه المرضى... ؟ أينَ يُسمحُ بالتحدثِ ؟ مع من ؟ والجزء الثاني من السؤال : أنت تقول أنَّ البحثَ عن حلٍّ في العملِ الذي تقومُ بهِ مع المرضى هو البحث عن حلٍ شخصيٍ. هل ما تُسميهِ "بالشخصي" يمكن أن يجيبَ على مفهوم الفردِ ؟ أعودُ لمثالٍ سريري : أفكرُ بهؤلاء المرضى الذين تُتابعُ حالتهم, والذين هم على وشك شخصنةِ صعوباتِهم والقولِ في لحظةٍ ما أنَّ "هذا قد يأتي منهم", والذين تلاحظُ عندهم إذن ظهور الاضطهادِ من جديد. هل ينبغي اعتبارُ ظهورِ الاضطهادِ هذا من جديدٍ كنوعٍ من فشلِ العلاجِ النفساني ؟ كيف يتم التفاوضُ بخصوصِ هذا المنعطف الخاص جداً ؟
السيد شعبان
عودةُ الاضطهاد لا تعني إلغاء العمل. كنا نتحدثُ قبلَ قليلٍ عن صعوبةِ إجراءِ معالجةٍ نفسانيةٍ لأنها غير ناجحة, لكن الأمر هنا مشابهٌ. عندما تستقبل مرضى أفارقة, فإنهم يأتونَ مرةً أو مرتين على الأكثر. ينهلّون عليكَ بالأحاديثِ ثمَّ ينصرفون. وعندما يتوجهون إلى معالجٍ تقليديٍ فإنَّ هذا الأخير لا يلتمسُ مطلقا من المريضِ لا التحدثَ عن الموضوعَ ولا عن تصوره الشخصي لمرضهِ. إذ يتكفل المعالجُ التقليدي هو نفسُهُ بالمسألةِ كاملةً. يصلُ الأمرُ إلى حدٍّ بعيداٍ جداً لدرجةِ أنّهُ في إفريقيا على سبيل المثال فإنَّ المعالجَ هو الذي يحلمُ في نومِهِ بالحلِّ الذي عليهِ إيجادُه للمريضِ. فحلمُ المعالجِ هو الأداةُ وليسَ حلمُ المريضِ. وهذا لأقولَ لكَ كيفَ أنَّ المريضَ يشغلُ مكاناً صغيراً في المعلاجةِ.
السيدة x :
لأنّه نزلَ عليه وحيُ الآلهةِ وبهذا قد يسمحُ لنفِسهِ بالحلم...
مهند شعبان :
نزلَ عليه, لا, ليست هذه هي الكلمةُ...
السيدةُ x :
نزلَ, أم ماذا...
مهند شعبان:
نعم
السيدة x :
هنالك فرق بين المستوى حلم و...
مهند شعبان:
لا, لا, فهذهِ أحلامٌ.
خسارةٌ أنْ هذا الفيلم ليسَ بحوزتنا... ربما أنت رأيتَهُ ؟
تَذكَّر كيف كان يُوَضِحُ دور المُعالجِ التقليدي, كيف اكتسب علمَهُ. كانَ يقولُ "الفرقُ بين علمنا نحنُ وعلمُ الأوروبيين كالفرقِ بينَ الليلِ والنهار"ِ, لكن بالمعنى الدقيق للكلمة يقول: "أنتمْ الأوروبيون, اكتسبتمْ علمكم في النهار على مقاعدِ الدراسةِ, أما نحنُ المُعالجون فنكتسبُ علمنا ليلاً في الأحلامِ".
أنَّهُ المُعالجُ الذي يحلمُ في نومِهِ بأربابهِ وأسلافِهِ الخاصّينَ بهِ, أيْ جنيي النسلِ الذينَ يأتونَ ليقولونَ لهُ ما عليهِ أنْ يفعلَ وما عليهِ ألاّ يفعل, ولا أدخلُ في التفسيرِ الفرديِ. إنَّهُ من البديهي تماماً أنّهُ عندما ينامُ المُعالجُ في المساءِ, ينامُ وشغلُهُ الشاغلُ هوَ استجواب جنيّيهِ. فالإجابةُ التي يأتي بها الأربابُ هي إذنْ الإجابةُ التي يأتي بها هو نفسُهُ على سؤالِهِ الخاصِ بهِ. لكن هنا تَكمُنُ المشكلةُ. لنْ يقولَ أبداً " وجدتُ الحلّ في حلمي َ". وإنما سيقول لكَ "زارني أسلافي الذينَ أناروا لي الطريقَ التي عليَّ أن أتَّبِعها".
كان ذلكَ للعودةِ إلى سؤالكَ عن إجراءِ معالجةٍ. الأمرُ هنا مُشابهٌ. إذا اكتفينا بتطبيقِ أساليب العلاج النفساني أو التحليل النفسي كما تعلمنا على استخدامها (نقوم في البدايةِ بتساؤلات صغيرة لتحديدِ موقعِ الشخصِ قليلاً ومن ثمَّ ننتظرُ ليصبحَ عندَهُ أفكاراً حرةً وليسردَ أحلامَهُ...)فهذا لن ينجحَ أبداً. ما ينبغي فهمُهُ هو كيف نجدُ في داخلِ التقاليدِ نفسها الدعامةَ التي تُساعدُ الشخصَ على الحديثِ عن مشاكلِهِ الشخصيةِ الخاصةِ بهِ ؟ كيفَ نضعُ التقاليدَ في خدمةِ المريضِ ؟ وهو أمر يجبُ الشروعُ فيه.
غالباً ما كنتُ أتصورُ في البدايةِ أنَّهُ كان يصعبُ إجراءُ مقابلاتِ. وكنت أطرحُ السؤالَ على الشخصِ الذي كان يقولُ لي: "أشعرُ بألمٍ, أشعرُ بألم" – " أين تشعر بألمٍ مثلاً". كان يقولُ في البدايةِ: "أشعر بألمٍ هنا, أشعر بألمٍ هنا", كنتُ أستمرُّ في طرحِ الأسئلةِ. كانَ يغضبُ قائلاً: "لكن من هو الطبيب ؟ أأنت الطبيبُ أم أنا ؟ لو كنتُ أعرف مما أعاني ما كنتُ جئتُ لأراكَ". لمجردِ أنّهُ معتادٌ على الذهاب لرؤيةِ الطبيبِ, فالطبيبُ هو الذي ينبغي عليهِ أنْ يكتشفَ كل شيء وليس المريضُ. إذا توقفنا هنا فلن نستطيعَ التقدمَ. في حين أنَّ ما اكتشفتُهُ في التقاليدِ ولم ابتدعْ شيئاً... في التقاليدِ يُقالُ لهم –وأقولُ: "صحيحٌ أننا تعلمنا الأشياءَ في المدرسةِ ولكن مالا يُقالُ في التقاليد أيضاً هوَ أنَّهُ "لا يتألمُ من حرارة الجمرِ إلاَّ من يدوسُ عليهِ بقدمِهِ ؟" - " آه, نعم, هذا صحيحٌ, ما تقولُ الآنَ!
يعلمُ الطبيبُ الكثيرَ من الأشياءِ ولكن للشعور بها ليسَ هنالكَ أحدٌ غيري يشعرُ بها".
وهنا يبدأ بالحديثِ. ما معنى ذلك ؟ وما هذا التأرجحِ إلاّ لأني لأضعُ بينَ يديهِ تصريحا نابعا من التقاليدِ, كما لو كانتْ التقاليدُ تقولُ لهُ : "مسموحٌ الحديثُ عنِ الذاتِ, هذا من حقكَ, ومن جهةٍ أخرى فهذا يُقالُ". ها هي وظيفةُ المَثلِ. فليسَ للمثلِ من وظيفةٍ أخرى إلاّ إيجادُ القنواتِ التي تُجيزُ التعبيرَ.
هذه طريقةٌ, وهنالكَ العديدُ من الطرقِ التي يستطيعُ الواحدُ أن يضعَها في خدمةِ المريضِ.
وهذا مثلٌ بسيطٌ جداً, إلى أين ينتهي بنا المطاف فيه دائما بالفشلِ : تعودنا على طرحِ السؤالِ : "أينَ تشعرُ بألمٍ ؟"و بالنسبةِ للعائلةِ : "كم طفل عندكَ ؟..." إما ينغلقُ الناس على أنفسهم وإمّا يأتونَ لجلستينِ أو لثلاث ومن ثمَّ لا يعودون. فماذا فعلنا ؟ بالرغم من أنّ ذلك أمراً عادياً إلى حدٍ بعيدٍ. إنها لتفاهةٌ كبرى أن نسألَ أُمّاً أتتْ ومعها طفلها: "كم طفلٌ لديكِ ؟", أو مثلاً "هل لديكِ الكثيرُ منَ الأطفالِ". فأنت على وشكِ إيذاءِ أطفالها.
عندما تقول لامرأةٍ أو لأبٍ في أفريقيا : أف!عندكَ خمسَةُ أطفالٍ!, يجيبكَ قائلاً: ينبغي أن أحذف منهم واحداً ". أيْ "الآنَ وقدْ أتيتَ على عدِّ أطفالي, فإنكَّ بذلكَ قد قتلتَ واحداَ منهم".
يُعتبرُ العدُّ والتقصي عن الثروةِ مساساً بهذهِ الثروةِ. لا يُمكننا طرحُ أسئلةٍ بهذا الشكلِ.
معرفةُ الثقافةِ تعني معرفةُ ما هي طرقُ إمكانيةِ التعبيرِ. ما هي الوسائلُ التي تُساعدُ أحداً ما على الحديثِ دونَ أنْ يشعرَ نفسَهُ في صعوبةٍ ودونَ أنْ يُخاطرَ بدخولِهِ في مرجعٍ اضطهاديٍ ؟ من وجهةِ نظرِ الأعرافِ يُمثلُ استغلالُ مجالاتِ التعبيرِ المشروعِ جزءاً من احترامِ الشخصِ واحترام إمكانياتهِ.
الحديثُ عنِ الموتِ مثلاً. عندما يأتي أحدٌ على فقدانِ أبيهِ أو أمِّهِ... عندما نستجوبُ أحداً عن موتِ والديهِ, فهذا أمرٌ لا يجوزُ. وخصوصاً أن نطلبَ رأيهم عن موتِ آبائهم. لكن كلُّ شيءٍ بين يدي الله!فالشخصُ الذي يبدأُ بالمناقشةِ في موضوع الموتِ, هذا يعني أنّهُ مساوٍ لله,
وأنّهُ يستطيعُ الاعتراضَ على القراراتِ الإلهية. وهذا من باب الكفرِ, فهو يخرجُ عن السّراطِ المستقيمِ.
هذا لا يعني أننا لا نتحدثُ عنِ الموتِ أو عن عددِ ما لنا من أطفالٍ, تكمنُ كلُّ المسألة في إيجادِ الصيغةٍ التي يكونُ الأمرُ فيها ممكناً كصيغةٍ طاردةٍ للشرِ مثلاً : " فليبارك الله", لا نقولُ : "كمْ طفلٌ عندكَ" ولكن نقول : "ليباركَ الله, لابدَّ أنكَ ربيتَ أطفالاً أو علمتَ أطفالاً", ومن ثمَّ يباشرُ الشخصُ بالحديثِ عن تعليمِ الأطفالِ وتلقائياً سيقولُ كم هيَ صعبةٌ تربيةُ الأطفالِ حيثُ أنّ لديه عشرةُ أطفالٍ. ليسَ ذلكَ ليُجيبَ على سؤالكَ ولكنْ ليبينَ مُعاناتَهُ هوَ.
ويُعتبرُ هذا كلُّهُ استكشافاً للمراجعِ الثقافيةِ يُساعدكَ على فهمِ في ماذا قد يتملَّكُ الشخصُ قناةً في الحديثِ وكيفَ ستتمكنْ من تكريسِ نفسكَ لخدمتِهِ وليس هذا مُجرَّدَ نوعٍ من الفضولِ الغريب.
عقبةٌ أخرى يجبُ تجنبها وهيَ حبسُ الشخصِ في ثقافتِهِ. أنت تعرفُ أنَّهُ عندما يأتيْ رجلٌ ما يُعاني من عدمِ القدرةِ ليراكَ على سبيلِ المثالِ, فغالبا جداً ما يكونُ التفسيرُ التقليديُّ لذلكَ هو أنّهُ أُلقيَ بهِ الأذى جراءَ سحرٍ أو أنّهُ كانَ على سبيلِ المثالِ ضحيةَ أعمالٍ سحريةٍ. إذا جاءكَ قائلاً أنّهُ يُعاني من عدمِ القدرةِ, فلا تقلْ لهُ مباشرةً وبالذاتِ "من عمل لكَ عملاً ؟". وماذا نعرف عن ذلكَ ؟ أن نقولَ لأحدٍ ما أنّهُ عُمِلَ لهُ عملٌ فإنَّ ذلكَ يتضمنْ بشكلٍ آليٍ أنَّ الشخصَ الذيْ في صعوبةٍ سيفسرُ مرضَهُ من خلالِ مرجعٍ تقليديٍّ. فنحنُ لا نعرفُ عن ذلكَ شيئاً.
وربما العكسُ. أنْ يأتيَ ليرانا لأننا لسنا من ثقافتِهِ, ربما يكونُ ذلكَ من بابِ الحذرِ إزاءَ ثقافتِهِ, ربما أنّهُ يرغبُ بالخروجِ منها, وربما أنّهُ في طور انتقالٍ باتجاهِ شكلٍ جديدٍ من التعبيرِ.
أنْ يُقالَ ذلكَ يعنيْ حبسُهُ حقاً وحقيقة, فهذه طريقةٌ لإرجاعهِ للدولةِ الأصل. وهو كما لو كنا نقولُ لَهُ : "ليسَ من حقكَ اعتبارُ مرضِكَ خارجَ نمطٍ معينٍ من التعبيرِ". ونقومُ بذلكَ بكلِّ صدقٍ وبنوايا حسنةٍ.
هلْ أجبتُ على سؤالكِ ؟
السيدة x :
نعمْ, شكراً.
جون ماري هاينريش :
أريدُ أنْ أسألكَ كيفَ تتصورُ وقعَ هذه التقاليدِ على الشبابِ من الجيلِ الثاني. هل تعتقدْ أنَّهُ يبقى أمراً مُهما ؟
مهند شعبان :
لا يزالُ هذا مهماً جداً في معاناةٍ كبرى, أيْ في تفاوضٍ منَ الصعبِ جداً إجراؤهُ. ومن الصعب أن تزولَ النماذجَ النفسيةِ.
وعندما يتعلقُ الأمرُ بصعوباتٍ فإنَّ هؤلاءِ الشبابِ الذينَ يفكرونَ والذين تمتْ تربيتَهُمْ في مرجعٍ ديكارتيٍ يستصعبونَ اللجوءَ إلى مراجعَ ترجمةٍ تقليديةٍ والتي يجهلونها من جهةٍ أخرى.
سيستخدمون هم أنفسهم من جديد تعبيراتِ أبيهم أو أمَّهم دون أن يفهموا ماذا تعني هذه التعبيرات.
وهذا ما نُسميهِ باللاشعور ولا يعني هذا إطارُ داخليٌ مغلقٌ, إذْ يتشكلُ اللاشعورُ في العلاقةِ مع أسلافِهِ, وهذا هو حديثُ الآخرين, حديثُ والديهِ.
يُعتبرُ بناءُ الذاتِ بالمقارنةِ فقطْ معَ الدولةِ المستضيفةِ كما لو كانَ خيانةً حقيقيةً, تَحرٍ لا يمكن تحملهُ أو لا يمكن أنْ يُؤيدهُ آباؤهم هم. تتمثلُ كلُّ المشكلةِ بالتفاوضِ, وبالتسويةِ. فلا نقومُ بتسويةٍ أفضلَ إلا كنا نعرفُ أفضل من أينَ نحنُ نأتي وإلى أينَ نحنُ ذاهبون.
وأكثر ما يُدهشني في هذا الجيل الجديد هو هذا النوعُ منَ الغطاءِ الرصاصِيِّ على الإرثِ التقليدي.
أرى شاباتٍ مثلاً من غير المحتملِ بالنسبةِ لهنَّ ذكرُ التربيةَ القمعيةَ التي تلقينها. وكثيراً ما يُعتبرنَ جاهلاتٍ لتقاليدهنَّ الخاصةِ بهنَّ لدرجةِ أنهنَّ يُفسرنَ تربيهنَّ كأمرٍ غير عادي من قبل آبائهنَّ. وقد دُهشتُ من لقائهنَّ حقيقةً. كان هنالكَ شاباتٌ يجدنَ صعوباتٍ في أنْ يروينَ لي الطريقةَ التي تصرفت بها أمهاتُهن معهنَّ, واستغرقَ ذلكَ شهوراً ليتمكنَّ من الحديثِ عن ذلك. كان ذلك أمراً يعجزُ عنهُ الوصفُ. وفي اليومِ الذي تحدثنَّ فيه لي عن ذلكَ, قلنَ لي : "أترى كيف أنَّ أمي ضالّةٌ!" وبالنسبةِ لي أنا الذي أعرفُ التقاليدَ, فليسَ بذلك خروجٌ عن المألوف وما كانَ ذلك حقيقةً إلاّ تصرفٌ تقليديٌ من قبلِ أمٍّ تجاه ابنتها, أمٌّ تَقرصُ ابنتها في فَخذِها, وكان يذهبُ بها الأمر لتحرقَ مهبلها لأنها كانت "شخاخةً", لكنَّ هذا أمرٌ تقليديٌ, كلُّ هذا! وكانت تعيشُهُ هيَ كما لو كانَ أمرا غير عادياً من قبل أمها, ولم يكن باستطاعتها أبدا الحديثُ عن ذلكَ.
ذكرتْ لي مثل هذا الكثير الكثير من تصرفاتِ والديها تجاهها, تصرفاتٌ تتعلقُ كلياً بتصرفاتٍ تقليديةٍ. تمثلُ العقوباتُ الجسديةُ جزءاً من التربيةِ التقليديةِ. ويتعلقُ كل شيءٍ بالطريقةِ التي تُنفذُ بها هذه العقوبات, أيْ العاطفةُ التي تحملُها هذه العقوبات والأسئلةُ التي تُحيي وتركبُ هذه العلاقة بين الآباء والطفل.
تُطرحُ الآن مشكلةٌ ما: لا يعني هذا أنّ لا يكونَ هنالك تسربٌ في التصرفاتِ الشخصيةِ للآباءِ خلال التصرف التقليدي. قد يكون لدينا جميعاً نفس التصرفِ لكن يمررُ كلُّ واحدٍ شخصيتًهُ الخاصةُ بهِ.
أدهشني هذا كثيراً, هذا النوعُ من المقاطعةِ من قبلِ الأطفالِ تجاهَ النماذجِ التي يُحييها الآباءُ, نوعٌ من الإبهامِ التام. نجدُ هنا بالتأكيدِ نزاعاً يصعبُ جداً حلُّهُ.
هنالكَ أمرٌ أخرُ يصعبُ حلُّهُ: لا نُحدِّثُ الأطفالَ في التربيةِ التقليديةِ عمّا هو عقبةٌ في وجهِ العمل التحليلي. لدينا مرضى يبدؤون بالبحثِ من جديد في تاريخهم الخاص بهم عن كيف بنوا أنفسهم من خلالِ أحاديثِ أصولهم وما هو الموقع الذي أعطيَناه لهم وماذا خلَّفنا لهم كإرثٍ, من خلالِ الآباءِ دائما.
لا يتقلى الطفلُ في مجتمعاتٍ تقليديةٍ إلاّ أوامرَ لينفذها ولا يتلقى توضيحاتٍ أبدا.
أذكر لك مثلاً مثالاً يُمكن أن تعيشه : هو مثالُ الفيلم التونسي الرائع "حلفاوين" ها هي أمثلةٌ بسيطةٌ جداً لإظهار تطور شابٍ, وكيف ينتقلُ من مجتمعِ النساءِ إلى مجتمعِ الرجال.
يكتشفُ الطفلُ في لحظةٍ ما أشياءً ويطرحُ على نفسهِ أسئلةً, فهل يتعلقُ الأمرُ فقط بالكلماتِ. يذهبُ ليرى والدهُ ويطرح عليهِ سؤلاً بخصوصِ عمّتِه قائلاً لَهُ : "بابا, هل لطيفة عذراء أيضا ؟": أشياءٌ غيرُ مقبولةٍ ! وعلى كلِّ إجابةٍ يتلقى صفعةٍ وهكذا...
يستقبلُ الآباءُ فيْ أفريقيا السوداء ضيوفاً, ثمَّ ينصرفُ الضيوفُ, وهنالكَ أطفالٌ يحضرون الضيافةَ, فإذا جاءَ أحدٌ وسألَ: " من أتى إلى هنا ؟"وبدأ الطفلُ يروي, مجيبا: "جاء فلانٌ وفلان..." يُمسكُ الطفلُ ويُضرَبُ ضرباً مبرحاً سيتذكرهُ طيلةَ حياتِهِ. فلا يجب علينا أبداً أنْ نتحدثَ عمن جاء وعمن ذهب, فهذا شأنُ بالغين.
يُسببُ هذا الكثير من المشاكل بالنسبةِ لهؤلاءِ الأطفالِ الذين اكتفوا بلغةٍ فُرِضتْ عليهم بالقمعِ وبالسلطةِ. لأنَّ القمع لا يعني بشكل اضطراري الضرب, بل قد يكونُ بمجرد نظرةٍ, نظرةُ أبٍ متسلطٍ, أو نظرةُ أمًّ ليعرف الطفل ماذا تعني هذه النظرةُ. وغياب التوضيحِ هذا يجعلُ الطفلَ مشوشاً في قصتهِ ذاتِها. إذْ تربطهُ علاقةٌ بالآباء كتلك التي تربطُ مشايعٌ بديانتِهِ. الأمر يتمُّ بنفس الطريقةِ, فعندما تكون مؤمنا ماذا تفهم من ديانتكَ؟ لا شيء!لا يفهم الواحدُ شيئا من ديانتِهِ, فالأمر الأساسي هوَ الاعتقادُ والأمرُ الأساسي بالفعلِ في الدياناتِ التوحيديةِ هو الإيمانِ. وإنَّ الديانةَ لفي غايةِ الأهميةِ لدرجةِ أنّهُ لا يوجدُ هنالكَ شيءٌ يتطلبُ التوضيحَ. غالبا ما يكونُ التوضيحُ انهيارُ الديانةِ ذاتِها. يتم الأمرُ إذن بنفسِ الطريقةِ لأنَّ للآباءِ مكانةً دينيةً, فللأبِ والأمِّ سلطةُ القانون الإلهي على الطفلِ, وإنَّ هذا لأمرٌ يصعبُ جداً حشدُهُ.
نأتي إلى مشكلةِ حشدِ الذكرياتِ,إذ يواجهُ الحشدُ عقبةً فعلاً. أولاً لأنَّ الماضي غير مُقيَّمٍ وغير موظفٍ. الشخص الذي يهتمُ بماضيه وخصوصا إذا كان شابا فهو شخصٌ فاقدٌ لرجولتهِ. يُقالُ دائماً: "لا ينبغي على الرجلِ أنْ يُفكِّرَ إلاّ بالمستقبلِ, فالرجلُ هو من يتقدمُ", وعديدةٌ الأمثلةُ من نوعِ : "انسَ الماضي ينساك واذكرهُ يستولي عليك". الماضي شيءٌ مندثرٌ, فلا نبكي على الماضي. وبخصوصِ هذا فهنالكَ اختلافٌ عندَ النساءِ. فيمكن أنْ ترقَّ قلوب النساءِ على ماضيهنَّ, هذا اختلافٌ على مستوي الجنسِ, لكن من الطبيعي أن تكون فكرةُ أنْ لا يُسمحَ لأحدٍ ما بالحديث عن ماضيهِ نابعةٌ من حقيقةِ أنَّهُ إذا كان يتحدثُ عن ماضيهِ قد يتحدثُ عنْ والديهِ, وهو أمرٌ لا يُطاقُ بالنسبةِ لأحدٍ ما أنْ يعطيَ رأيهُ حقاً عن والديهِ. فلا يجب أن يكون لا الأب ولا الأم موضعَ نقاش, فهذا واجبٌ دينيٌ.
وعلينا هنا أيضاً أنْ نتساءلَ عما يعني أن نكون بالغينَ. أن يكونَ الواحدُ بالغاً تعني هنا أن ينفصلَ عن والديهِ, أنْ يتحرى عن معنى وجودهما مُجددا, أن يمتلك حريةَ المبادرةِ, أنْ يكونَ مساوٍ لهمْا, أن يُعارض قراراتهما, أن يكون مماثلاً لهما وأن تكونَ لديه القدرةُ على التصرف. أن يكون الواحدُ بالغاً في المجتمعِ التقليدي هو أنْ يعرفَ كيفَ يكونُ خاضعاً جداً لوالدِهِ ولأمِّهِ, حتى أنَّ هذا هو الوضعُ المثاليُّ, فالرجلُ هو الذي لا يرفعُ عيونهُ أبداً في وجهِ أبيهِ, وهو الذي يلبي كل رغبات أبيهِ.
السيدة x :
وبالنسبةِ لأطفالِ الجيلِ الثاني, كيف يُمكنُنا تدبُرُ هذا الأمر؟
مهند شعبان :
فقدَ آباءُ الجيلِ الثاني هذا السبلِ التقليديةِ في دعمِ وتناوب السلطةِ بشكلٍ تامٍ. عندما يخرجُ رجلٌ في الشارعِ ويتركُ ابنهُ يهيمُ في الشارعِ, فليسَ هنالكَ من مشكلةٍ ليقلقَ من أجلها, إذ يُعتبرُ أيُّ بالغِ يتواجدُ في هذا المكانِ ممثلاً للسلطةِ الأبويةِ.
عليكَ أنْ تعيشَ هذا ليحاولَ الإنسانُ أنْ يتدبرَ ويبلورَ ما فقد منَ تناوبٍ. أيْ أنَّهُ لم يعدْ اليومَ يكتفي بتركِ ابنِهِ يذهبُ إلى الشارعِ والاعتمادِ على من هم في المحيطِ لتربيتِهِ. انتهى هذا واندثر. ما عليه بناؤهُ في ذاتِهِ هو إعادةُ تركيبٍ فرديٍ. أيْ أنّهُ هو الذي سيمتلكُ السلطةَ المباشرةَ إزاءَ ابنِهِ, وعدم الاكتفاءِ بأن يحلَّ محلَّهُ أحدٌ. إنَّها لثورةٌ حقيقيةٌ بالنسبةِ لرجل ذو تقاليدٍ. سيتوجب عليهِ مواجهةَ ابنهِ مباشرةَ, هل تتخيل ذلكَ!مواجهةُ ابنهِ تعني أنْ يكونَ مساوٍ لهُ عملياً. يبدأ يضعُ نفسَهُ على قدمِ المساواةِ معهُ. في حينَ تطلبتْ دائما كل دواليب التقاليد وجوبَ عدمِ المساس بالوالدِ. عندما يُذكرُ الوالدُ أو عندما تحصل مشكلةٌ تمسُّ بهِ, فهذا يعني أنَّ كلَّ الحلولِ حُكِمَ عليها حقاً بالفشلِ. فهل من المُمكن أنْ لا يكونُ هذا إلاَّ في سن مبكرٍ من الطفولةِ, ماذا تستخدمُ الأمُّ ؟ إنَّها تستخدمُ كلَّ أنواعِ الإجراءاتِ : كالعنفَ, واللعنة بشكلٍ خاصٍ, والديانةَ التي ترجعُ إليها بدون توقف لتخيفَ الطفلَ. وإن تجاوزت ذلك حقيقةً فستقول : "سأقولُ ذلكَ لوالدكَ"وهو ما لا تفعلُهُ دائماً. ويعتبرُ هذا حقيقةً تهديداً. فالأبُ يحتلُ نوعاً ما مكانةً في صفٍ لا يمكنُ الوصولُ إليهِ. وعلينا هنا أنْ نسلكَ الطريقَ المعاكس تماماً مع الوالدين. إذْ ينبغي على الوالدين "أنْ يتحملوا مشقّةَ" الحقيقةِ التي تقتضيْ أن يُواجهوا تربيةَ أطفالِهمِ المباشرةِ, وليسَ هذا سهلاً بالنسبةِ لهمْ.
مثال : تؤمنُ المدرسةُ عندنا تناوباً بينَ العائلةِ والمجتمعِ, فالطفلُ الذيْ يذهبُ إلى المدرسة يعودُ مبتهجاً لأنّهُ تعلمَ العلومَ الفيزيائيةَ, علمُ الفلكِ . قامَ بتجاربَ في الكيمياء... صحيحٌ أنَّ هذا اكتشافٌ هائلٌ, يصلُ إلى البيت ويطرحُ أسئلةَ على والدهِ : وباتَ هذا كارثةً. أسمعُ الآباء يقولون لي هذا. وهنالكَ تقريباً آباءٌ في هذا التأرجحِ, فهم لا يشعرونَ بالراحةِ ولا يجيبونَ, وينسحبون من زواياهم...
لماذا لا يشعرون بالراحةِ ؟ بكلِّ بساطةٍ لأنَّ ابنهم طرح عليهم سؤالاً. فلا نسألُ أباً! وبالأحرى إذا طرحَ عليهِ أسئلةً تخصُّ المدرسةَ, أي أسئلةً لن يتمكنَّ حتى من الإجابةِ عليها. كما لو كان في حالةِ فشلٍ أو كما لو كان فاقداً لقواه. وفي المقابلِ هنالك آباءٌ ضربوا الطفل الذي تجرأ على طرحِ أسئلةٍ. أترى الورطةَ. ليس هنالكَ من تناوبٍ
كريم خليل:
ألا تعتقدُ أنّ هذا تصور في طور الاضمحلال.
مهند شعبان:
في طور التحول, نعم, حتما.
كريم خليل: حتى في الدولِ الأمّ؟
مهند شعبان: بالتأكيدِ وخصوصاً في المدنِ, فهذا رسمٌ بياني يتحولُ أكثرَ فأكثرَ ولكن بألمٍ بالغٍ بالنسبةِ للآباءِ, فلديهم الانطباع أنهم خسروا حياتهم هم أنفسهم وخسروا أطفالهم. وهذا مؤلمٌ إلى حدٍ بعيد, لانَّ هذا تحول اجتماعيٌ يتقدم بشكلٍ عنيفٍ جداً. وهو ما حولهُ الغرب في 200 أو 300 سنةٍ, والدول النامية في 10 أو 20 سنةٍ.
جون ماري هاينريش: أردت فقط أن أقول على الرغم من أنَّهُ ليس هنالك من سنٍ مرجعي بالنسبةِ لي فإنَّ ما وصفتَهُ للتو بخصوصِ الخبرةِ والعلاقة بالأطفال كانت صحيحةً هنا أيضاً عندما كنت أنا نفسي طفلاً. كان الناس كافة في الحي مسئولين عن كل طفلٍ وكانت تلجأ الأمُّ إلى الأب كحل أخير, كان هذا صحيحا هنا, حتى في المناطق التي ليست بشكل خاص جدُّ قرويةٍ. ولكن في مدنِ المقاطعاتِ. كان هذا صحيحا في سنوات الخمسينياتِ و الستينيات, هنا أيضاً كانَ التحولُ سريعاً.
أريدُ أيضاً أنْ أذكرَ حالةً أخرى لمريضٍ هو أيضاً من شمالِ أفريقيا والذي كان لهُ ردّود فعلٍ أخرى: كان طفلهُ يتعلمُ فعلَ أشياءٍ وكان يبدأ يحدثهُ عنها(سيدٌ على ما يبدوا أهتمَّ كثيراً بتعليم ابنه لدرجةِ أنَّهُ هو نفسهُ لم يرتقي إلى مرحلةٍ متقدمةٍ في الدراسةِ). كلُّ مرةٍ يُحدثني فيها عن ابنهِ يُذَكِّرُني باسم ابنهِ قائلاً: "يعرف نور الدين أشياءً كثيرةً"... و "نور الدين", تعني "نور الإله". وهذا نمطٌ آخر من ردة الفعلِ
غير ردة فعل الأب الذي يضربُ.
مهند شعبان:
نقلَ شيئاً ما.
جورج فيديرمان: يخصُ السؤال الذي أطرحهُ على نفسي مرضىً أتابِعهم وأراهم بشكلٍ مطلقٍ كعليلين ولكنهم غير معترف بهم كعليلين من قبل التأمين الصحي. على الصعيد السريري, أتساءلُ دائما إلى أيِّ حدٍّ يمكنني مساعدةُ هؤلاءِ الناس. هل يمكن أن تمنعَ مرافقةُ هؤلاء الناس في الإجراءاتِ الإداريةِ استمراريةَ العملِ المتعلقِ بالعلاجِ النفسي؟
مهند شعبان:
يبدوا لي الأمر على عكس ذلك, فمن خلال الخبرة التي أملك شخصياً في هذا المجال تبيَّنَ أنَّهُ كل مرةٍ كان فيها مرضى يبالغون في تصور المصائب التي يقال أنهم المطالبون بها, وكل مرةٍ تمكنا من مرافقتهم للحصولِ على نفقةِ معلولية, كنا نلاحظُ تحسنا جليا لحالتهم خلافا لما يُقالُ. لماذا؟
الوظيفةُ الرئيسية للمغترب هنا وفي مجتمعِهِ الأصلي حتى هي أن يكونَ عاملا في خدمةِ عائلتِهِ. فانطلاقا من اللحظة التي فقدَ فيها كل قدرتَهُ في التكفلِ بعائلتهِ فانَّهُ فاقدٌ كلياً لرجولتِهِ. وقد أقول حتى أنَّ وجودَهُ مُبعدٌ. تأتي نفقةُ المعلوليةِ هنا كنوعٍ من إعادةِ ترميمٍ لمكانته الرجوليةِ. فهي كعكازةٍ. ليس هذا شفاءٌ لكن كعكازةٍ تسمح له بالحصول على مكانةٍ مشرفةٍ. عرفْتُ أناساً عادوا إلى قريتهم بعد حصولهم على نفقة المعلولية وكانوا حقاً راضين.
للرجوعِ إلى السؤالِ المُتعلقِ بالطريقة التي ينبغي استخدامها مع المرضى, يبدوا لي أنَّهُ يمكنُ تبني طريقةَ العمل من خلال المحيط, الطريقة المجازيةِ, طريقةُ الأمثالِ : يعتبرُ المثلُ أمراً هاماً جداً لأنَّهُ يقولُ أنَّ من الممكن الحديث. له تلكَ الفائدة في أنَّهُ يمكنُنا استخدامُهُ في اتجاهينِ متناقضينِ.
عندما نقول مثلاً فإنَّ لدينا انطباعٌ أنّهُ أحادي المعنى. هذا غير صحيح, فقد نجدُ مثلاً له المعنى المعاكس تماماً, ويعودُ الأمرُ لك أنْ تستخدمهُ تبعاً للحالةِ لحشدِ مثلِ هذا الأمرٍ أو ذاك.
فيما يخصُّ الخوف مثلا: فهوَ أمرٌ لا يمكن الوصول إليه, وهو أنْ يجد أحدٌ ما نفسهُ في وضعٍ يكونُ فيه فاقدا كلياً لرجولتهِ إنْ لم يواجههُ, غير أنّهُ إذا واجههُ فإنَّهُ يغامر في ذلكَ بحياتِهِ (إذا توجب عليهِ الدفاعُ عن شرفهِ مثلاً لكن سيؤدي به ذلكَ إما إلى القبرِ أو إلى السجنِ) وهو لا يعرف كيف يتصرف. وقد صدف وقلتُ: "ألا يُقالُ في التقاليدِ على سبيلِ الصدفةِ أنَّهُ من الأفضلِ أحياناً الاستماعُ إلى خوفِهِ بدلاً من الاستماعِ إلى جسارتِهِ؟" – " آه, نعم, معكَ حقٌ في هذا... ". ألا يُقالُ أحياناً أنَّ في الخوف نجاةٌ ؟ نقولُ هذا !المثلُ نفسهُ يقولهُ. إذا كان المثلُ يقولهُ فإنَّ الطريقَ الجماعي يقوله, والثقافةُ, والتقاليدُ. فهي تسمحُ بالشعور بالخوف في بعضِ الظروفِ دون الشعور بفقدان الكرامةِ.
لكن إذا تابعنا العلاجَ النفسي وأنَّهُ بدأ يشعرُ في لحظةٍ ما بتحسنٍ كبير جداً, فإنَّهُ يرغبُ بمواجهةِ الأمورِ: يرغب على سبيلِ المثالِ بالخروجِ لتجديدِ بطاقةِ إقامتهِ, البحث عن عمل, الخ ..., وهذا كثيرٌ بالنسبةِ لشخصٍ أُدخِلَ المستشفى, كما أنَّهُ مرعوبٌ!
بإمكاننا أنْ نقولَ لهُ مثلٌ آخرَ: صحيحٌ أنَّ الواحدَ يخافُ ولكن ألا يُقالُ " أنَّهُ لا خوف إلاَّ من الله"؟ أو " لا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يخاف ممن يمشي على أقدامٍ" وهو مثلٌ الذي يقولُ هذا. لا يخاف الواحدُ إلاَّ من الله. لا ينبغي الخوف من الإنسانِ. – " آه نعم, هذا صحيح ولماذا سأخافُ من المحافظِ ؟ ولماذا سأخافُ من الشرطةِ ؟عليَّ أنْ أذهبَ لأُّخرجَ شهاداتِ إقامةٍ... "ويذهبُ إلى هناك. فهناك تصريحٌ يمكنه الاستنادُ عليهِ والقيامُ بمشروعهِ.
وقد يندهشُ أيٌّ كان غير متعود على عالم التقاليدِ من رؤيةِ الرجالِ مجتمعين في مجموعات صغيرةٍ للنقاش. لكن ماذا علهم يقولون ؟ إذا اطلع الواحد على المحتوى فلا يستخرجُ موضوعاً من شأنهِ تحفيزُ التفكير. وفي الواقع, يُعطون الانطباع بأنهم يتحدثون بدون معنىً, فهم يكررون طليةَ النهار صيغاً نمطيةً لا تعملُ أبداً على تقدمِ النقاشِ الذي يبدوا بدون موضوعٍ. لا ينبغي البحثُ عن سبب هذه الاجتماعات في أهدافٍ معلن عنها, وإنما في ضرورةِ البقاء مع بعضهم البعض. وتمثلُ الصيغُ المتبادلةُ غالباً تذكيراً بتعاليمِ الأعرافِ وما نعطي من معطياتٍ تساعدُ على التبصرِ, وهي رابطةٌ تسخرُ في أساساً من الأهدافِ. وقد يحدثُ بالتأكيد أن يناقش الواحدُ أمورَ القريةِ, كترميم نافورةِ المياهِ, وإصلاحِ المدرسةِ, وتنظيمِ الأعمال في الحقولِ, الخ... لكن ليست هذه مواضيعٌ توحدُ الرجالَ. بل إنَّ ما يُقربهم ويجعلهم يلتحمون هو الشعور بالانتماء إلى نفسِ الجماعةِ والشعور بكونهم نابعين من نفس الأصلِ. وأنّ ما نحنُ ناشئون عليه يطغى على ما نقوم به.
جون ماري هاينريش:
أريدُ فقط أن أروي نكتةً صغيرة :
هي قصة مريضٍ من أصلٍ ريفي ويستصعب بالأحرى الحديث بالفرنسيةِ. بل يتحدثُ اللهجة الألزاسيةَ... وفي لحظةٍ معينةٍ أقولُ لهذا السيدِ : "يمكنكَ التحدثُ بالألزاسية فأنا أفهم الألزاسية". فيُجيبني : " لا لستُ متمسكاً بذلكً أبداً, لا أريدُ". سألتهُ لماذا, فأجابني : "عندما أتحدثُ بالألزاسية فإنّي لا أقول إلاّ حماقات عن الأطباء"...
أتساءلُ إذن إن لم يكن القبائلي قد فهم أنَّ بيرتولييه لم يكن يفهم اللغةِ القبائلية !
مهند شعبان :
بالضبط ! كان يُريدُ إذن تجنبَ قول ما كان يريدُ قولَهُ عنكَ, فهي مسألةُ تحويليةٌ...
***
في هذا القسم ايضاً
- التحليل النفسي بالمغرب: عرض تاريخي و معاينة : جليل بناني
- صدمات وواقع : المسألة الاجتماعية - بيرتران پيري
- تبعية، صدمة وواقع : كريم خليل، ﭙييرستانيسلاس لاﯖارد، بيرتران ﭙيري
- 6/ معترضة: الدكتور فتيح كرمان
- معضلاتُ المقابلاتِ السريريةِ في الوسطِ المغترب 1 - مهند شعبان
- الاستشارةُ العلاجيةُ النفسيةُ بحضورِ مترجمٍ فوري: منافعٌ وصعوباتٌ ومُحدداتٌ - بيرتران بيريه
- مَصَائِر الأجْنَبِي المُقْبَل1