الصفحة الاساسية > 5. منشورات و (...) > صدمات وواقع : (...)

صدمات وواقع : المسألة الاجتماعية - بيرتران پيري

ترجمة من الفرنسية إلى العربية من طرف: فاضلة بوهوشي Traduit du français vers l’arabe : par Fadila BOUHOUCHI

الاحد 6 أيلول (سبتمبر) 2009, بقلم Docteur Bertrand PIRET

صدمات وواقع : المسألة الاجتماعية

الأحد 13 حزيران/يونيو 2004، بقلم بيرتران پيري، رئيس وعضو مؤسس لجمعية «حديث بلا حدود»، طبيب نفساني، محلل نفسي. يمارس بستراسبورغ، فرنسا.

صدمات وواقع : المسألة الاجتماعية [1]

مقدمة: إلحاح الواقع

سوف تتمحور أعمالنا هذه السنة حول الصدمة. لماذا هذا الانعطاف؟ وما العلاقة بين الثقافة والإشكالية التي حاولنا حتى الآن وضعها في غضون هذه السنوات الثلاث من دورة "طب نفسي، علاجات نفسية و ثقافة (ثقافات" ؟

عنف، ثقافة وسياسة

يعود السبب الأول إلى معاينة تاريخية وجيوسياسية: إن لقاء الثقافات كان دائما مطبوعا بالصراع والمجابهة والتقتيل. إذ ما وراء الصور الورعة والخطابات المهدئة، هناك أمرٌ واقع يجب الرضوخ له، وهو أن الحوار البيثقافي مهزلة بالنسبة للتاريخ الذي يبرز أن هذا الحوار الكاذب، لم يبتكر أبدا نبرات أخرى غير الهداية الدينية أو الاستعمار، وكلاهما لا يستبعد الآخر بطبيعة الحال. كما أن كلاهما يتكيف جيدا مع النهب من ناحية أخرى. فالتثاقف دائما معارض وتصارعي. فهو يخلخل المادة الرمزية المؤسِّسة للمجتمعات، ويفضي إلى رهانات إقصاء جذري، أي قضايا حياة أو موت. يبدو أن لقاء الثقافات مطبوع حتما بوصمة العنف حتى داخل مجتمعاتنا، حيث يمارس العنف تجاه الأقليات المدانة. ومن ثم، فإن الانعطاف الذي سوف نقوم به لدى دراستنا للصدمة ليس بالمدهش.

إلا أنه ينبغي أيضا التعبير عنه بطريقة أخرى: من المستحيل الحديث عن هذه الأمور، ­أي الثقافات والمجتمعات والبعد الاجتماعي للإنسان­، دون اتخاذ مواقف ذات طبيعة سياسية. ليس فقط من حيث المصطلحات السياسية، التي بخست قيمتها اليوم بشكل فاضح، بل من حيث أنه من الأساسي مساءلة الحقل السياسي حول مهمته الأولى، ألا وهي جعل الحياة الاجتماعية ممكنة وسلمية. ويتعلق الأمر بالوظيفة الرمزية التي يتجنبها ممثلو السلطة أكثر فأكثر، بحجة منطق ضيق مستعار من عالم الاقتصاد الإداري أو الإستراتيجية العسكرية.

في النهاية، سوف يتعلق الأمر أساسا هذه السنة بالسياسة، إذ أننا سنتعامل مع الأضرار الذاتية التي تتسبب فيها المؤسسات حينما تتهرب من وظيفتها الرمزية، أو الأدهى من ذلك، حين تحرفها.

أما الأسباب الأخرى فهي سريرية، وتعود مباشرة إلى الصعوبات التي تُواجَه مع بعض المرضى المهاجرين أو اللاجئين أو المنفيين، أثناء الممارسة العلاجية النفسية.

عدم تلاؤم نموذج عُصابات التحويل

سبق لنا التأكيد مرارا على أن المرضى الذين نلتقي بهم في إطار الاستشارة المتعددة اللغات، لا يشبهون المرشحين التقليديين للتحليل النفسي أو العلاج النفسي. لن أتطرق ثانية إلى العقبات العديدة، والصعوبات التي نواجهها في هذا الإطار، والتي سبق التطرق إليها بشكل واسع خلال السنوات الفارطة. (راجع المجلد 1 والمجلد 2 من فصول الحلقة الدراسية).

لنتذكر فقط ما أبرزناه من عدم التلاؤم الواضح بين الاضطرابات التي نجدها لدى بعض المرضى المهاجرين أو اللاجئين، وعلمِ نفسٍ مرضيٍّ تم تصديره بعجالة من ميدان تجريبي خاص جدا: أقصد بذلك علم النفس المرضي لعصابات التحويل، والمختبر ذي الامتياز الاستثنائي الذي تشكله، ­للتعبير عن ذلك بعجالة­، مجموعة الأريكة والمحلل.

إلحاح الواقع : لنُذكر من جهة ثانية بالإلحاح الذي وصفناه (راجع على الخصوص المجلد 2 من ”الطب النفسي، العلاج النفسي والثقافة/الثقافات“، ص. 129 و ما يليها)، إلحاح الواقع ”الخارجي“ (للأخذ بمصطلح «فرويد» في تعارضه مع الواقع ”النفسي“ وهي مصطلحات ينبغي الرجوع إليها) على مستويات مختلفة:

- سواء في تكوين الأعراض: تردد اللامعاوضات النفسية لدى المهاجرين بعد حادث عمل؛ واقع الرعب لدى اللاجئين الذين قاسوا محنة التعذيب والسجن قبل مجيئهم؛ واقع المنفى الذي لا يمكن تجاوزه وآثار الحداد الذي لا نهاية له، بل والمستحيل.

- أو في تطوره وفي إمكانيات المقاربة العلاجية النفسية. لقد وضحنا مثلا كيف أن أخذ الكلمة من طرف المريض يبدو متوقفا على الواقع الاجتماعي­ الاقتصادي وعلى آثاره المباشرة (الهشاشةُ القصوى للوضع المادي)، أو غير المباشرة، من خلال الصراعات الدائمة بين المريض ومختلف المؤسسات، كصندوق التأمين الصحي أو أرباب العمل مثلا. إنه إلحاحُ واقعٍ يفرض على المعالج النفساني موقفا فاعلا، يسميه البعض أحيانا، وعن حق (ولكن بنوع من الاحتقار في أغلب الأحيان)، ﺒ ”تدخلات داخل الواقع“. (و يتعلق الأمر في معظم الأحيان بإجراءات اجتماعية).

يتعلق الأمر هذه السنة قبل كل شيء بتفحص التأثيرات المرضية لهذا ”الواقع الصدمي“، والتدخلات العلاجية والنفسية المرضية التي يفرضها. سواء كان هذا الواقع مكثفا في حدث صدمي واحد، أو كان يعبر عن نفسه في تراكم سلسلة من الأحداث، أو نتيجة ضغوطات واقعية ­اجتماعية، اقتصادية، مهنية، وسياسية أيضا.

المشكل المفخخ للقابلية للعصابات الصدمية

سوف ننطلق من ”نموذج“ لعصابات صدمية، حيث يبدو العامل المسبب الرئيسي، هو صدمة كارثية فعلا. ولكن لنتجنب التبسيط !

هناك فكرتان حول العصابات الصدمية يجب طرحهما فورا:

- نحن نميل بالفعل إلى التفكير، وهو ما يمكن تفهمه، في أن تجربة صدمة مرعبة بشكل خاص (كما قد يكون عليه الشأن في حالة حرب أو تعذيب أو سجن أو اعتداء...)، لا يمكن ألا تكون لها عواقب وخيمة على المستوى النفسي. ولكن في هذه الحالة، لماذا، وفي ظروف صدمة متشابهة موضوعيا، يطور البعض اضطرابات والبعض الآخر لا؟

- هذا ما يقود إلى الفكرة المفخخة الثانية، والتي من الصعب جدا التخلص منها: وهي فرضية أن ضحايا الصدمات الذين يطورون وصامة مرضية لاحقا، هم في الحقيقة أشخاص ذوو قابلية لها، وهو ما يمكن قوله بآلاف الطرق، ويمكنه أن يخدم قضايا ومصالح جد متباينة. فالخبير الذي سيقوم بتقييم التعويضات عن المرض، سوف يبحث عن اضطرابات سابقة، وإن كانت بسيطة، لكي ينازع في علاقة العلة بالمعلول، بين الصدمة والاضطرابات الظاهرة لدى الشخص. والمحلل النفساني الواصف للأمراض سوف يستعيد، دون إدراك منه، النظريات القديمة للقرن الماضي حول التنكس، لكي يحدد بنيةً أو شخصيةً قبمرضيةً لا يمكن لتأثير الصدمة إلا أن يفقدها توازنها. وإذا استندت التنظيرات التحليلنفسية على تصور بنفس التشدد لمفهوم ”البنية“، فإنها تعرض نفسها في النهاية لنفس الأخطار.

لنستشهد ﺒ«فينيشيل» (1938): « لدى بعض المنبهات حدة ساحقة إلى درجة أن تأثيرها يكون صادما على أي كان.». «باروا» هو الآخر لا يحاول تحديد «حقل للقابلية»، ويرى مثل «فرويد» و«فيرينكزي»، أن لا أحد في مأمن من العصاب الصدمي. وإذا كان هناك استدلال بالعامل الكمي (حدة الصدمة)، فمن الواضح أنه لا يفسر المشكل إلا بشكل جد جزئي. إذ حينما يتعلق الأمر بنشاط اللاشعور، سواء في هذا المجال أو غيره، فلا وجود لعلاقة خطية بين العرَضِ وأصله المفترض، سواء ركزنا على الحدث أو على الشخصية.

برنامج: توسيع حقل تطبيق الوصامة الصدمية

- للتمهيد لأعمال هذه السنة، من الضروري إذن تحديد مفهومي الصدمة والعصاب الصدمي، والتذكير بهما في تعارضهما داخل النظرية الفرويدية مع الصدمة الطفولية من جهة، ومع عصابات التحويل من جهة أخرى.

- علينا أن نحدد مفهوم الواقع الخارجي (المتشكل من أحداث حقيقية)، في تعارض مع مفهوم الواقع النفسي (المنظم وفقا للمنطق اللاشعوري للاستيهام). ولكن الأساسي على الخصوص، هو معاينة ما هي بالتحديد عناصر”الواقع“ المُشكِّلَة للصدمة. سوف ندرك أن لحظة وقوع الحادث نفسها ليست وحدها المحدثة للعُصاب الصدمي، بل ما يحدث في مرحلة ثانية، والذي يحيل إلى البعد الاجتماعي، الطائفي، أو المؤسساتي للواقع المحيط بالضحية في تلك المرحلة. إن مفهوم الواقع داخل الحقل الصدمي إذن هو أبعد ما يكون عن الوضوح.

- سوف نتمكن حينها من تسليط الضوء على التشابه الموجود بين حالات سريرية جد متباينة مثل:

1°) العصابات الصدمية التقليدية المرتبطة بحدث كارثي، والعواقب النفسية للتعذيب والسجن.

2°) الانهيارات النفسية التي تحدث لدى بعض المرضى، مهاجرون على الخصوص، إثر انقطاع عن العمل غالبا ما يكون مرتبطا بحادث عمل، سواء كان خطيرا أم لا.

I­- صدمة العصاب الصدمي

أ) إنكار العصاب الصدمي من طرف المؤسسات العلمية

إن وصف العصاب الصدمي قديم. الطبيب النفساني الألماني «أوپنهايم»، هو الذي جعل منه كيانا مستقلا ضمن تصنيفات الأمراض النفسية ابتداء من 1889. لقد تميز تاريخ تصنيف هذا المرض بخلط كبير، وبالتحفظ الشديد من طرف العالم الطبي للاعتراف به كمرض حقيقي. ففي غياب تمييزات واضحة من حيث أسباب الأمراض، وجد العصاب الصدمي نفسه مصنفا داخل نفس فئة الاضطرابات المسماة اليوم ”بالنفسية­ العضوية“، أي تلك الناتجة عن إصابة في الدماغ (صدمة دماغية مثلا). فأصبح بذلك ، وفي تعارض مع أولائك المرضى ”الحقيقيين“، غرفةَ مهملات حيث يتم وضع كل المتمارضين، والمطالبين بمدخول، والطفيليين والناهبين الوقحين لصناديق الدولة. فهو لم يكن مرضا بالنسبة للبعض، بل سمة لغياب الشجاعة والأخلاق والحس المدني لدى أشخاص استغلاليين. وقد كتب «مورو» مثلا، وهو طبيب نفساني بلجيكي، في مجلة للطب النفسي سنة 1942: «نجد العصاب الصدمي في جميع الأوساط الاجتماعية حيثما كان هناك مال يُلتقط». ويضيف قائلا أن منح دخل مادي هو، علاوة على ذلك، عامل لتمديد الشكوى، و” ترخيصٌ للمرض“، إذ أن ”خشونة الجلد لم تعد تحمي الأيادي بعد نعومة التكاسل“. إن التذكير بهذا النوع من الخطاب شيء مفيد، ولو لإبراز القولبة وغياب الابتكار الذي يبديه ورثته الحاليون الأكثر ضوضائية، لحسن الحظ، في المجال السياسي منه في المجال الطبي. أما المدافعون عن العصاب الصدمي، فقد حصروا أنفسهم زمنا طويلا في البرهنة على سببية عضوية على أساس نظريات عصبية- ­فيزيولزجية معقدة بقدر ما هي عابرة. [2]

كان لا بد من انتظار اختراق أفكار«فرويد» العالم الطبي النفسي، كي يتم الإقرار بإمكانية سببية نفسية. إلا أن حذر الأطباء فيما يخص العصاب الصدمي، المماثل للعصاب الهستيري المتهم دائما بأنه تمارض، لم ينقص مع ذلك. يحدد «باروا» (1988) تاريخ حجبِ هذه الوصامة واختفائها التام من الكتب ومن تدريس الطب النفسي بين سنة 1916 وسنة 1975 تقريبا. يبدو أن حرب «الڤيتنام» على وجه الخصوص، والخسائر الفادحة في صفوف المقاتلين لأسباب نفسية-­مرضية، هي التي منحتها من جديد احترام الطب النفسي العلمي. علما أنها ظهرت من جديد داخل أنظمة التصنيف الحديثة، مثل«الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية رقم 3 » (DSM III)، تحت عنوان : حالة ضغط عقب الصدمة، مرفقة بوصف منقول مباشرة عن المصادر التقليدية.

مُساءلة الاجتماعي

لنسجل منذ الآن هذه الخاصية في العصاب الصدمي: إنه يسائل النظام الاجتماعي بقوة، ليس في محاولة لقلب السلطة (سلطة السيد) كما في الهستيريا، ولكن بالكشف عن تصنع وغش خطاب أمومي رسمي [3]. يدعي ضمان الحماية والتعويض، سواء تعلق الأمر بأنظمة تأمين الدولة مثلا أو المؤسسة العسكرية، وبتحفظاتها بشأن تعويض البعض، والاعتراف بعدم القدرة على القتال للبعض الآخر. إن مشكل التعويض المالي، كما سنرى، ليس سوى جانب جزئي جدا من العلاقة التي تربط العصاب الصدمي بما هو اجتماعي. فهو المؤشر الأكثر وضوحا، ويلعب إلى حد ما دور الفزاعة التي تخفي جوهر الأشياء. والسؤال المقلق بامتياز هو: بواسطة أية خيوط يستطيع الاجتماعي الإبقاء على الأفراد أحياءً ؟ إن العصاب الصدمي هو قصة القطع المفاجئ لهذه الخيوط. فالضحايا يُستبعدون بفظاظة عن طائفة الأحياء، ويصبحون، وفقا لتعبير «باروا»، «أمواتا وهم أحياء».

ب- تذكيرات سريرية: ردود الفعل إزاء الصدمة والعصابات الصدمية

العصابات الصدمية، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي اضطرابات نفسية تظهر عقب حدث حقيقي ذو طابع صدمي.

1°) الصدمة السببية

يتضمن تعريف هذه الحالات هذا الطابع الخاص للصدمة، والذي يتوجب تقريبه هنا من معناه الأصلي، أي كيفية استخدامه من طرف الجراحين والأطباء منذ العصور القديمة (راجع كاميرير، 1974).

وكيفما كانت المعايير المقترحة لوصفه: حدث ذو عنف استثنائي،”حدث خارق للعادة، يتسبب في أعراض ضيق واضحة لدى أغلب الأشخاص“(الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية رقم 3 ¬ ر)(DSM III-R) ، منبه ذو”حدة ساحقة“ (فينيشيل)، فإن للصدمة النفسية، التي هي موضوع الخلاف هنا، نفس آثار الصدمة الجسدية:

- حدث عرضي عنيف، مفاجئ وغير متوقع؛

- صدع داخل النظام النفسي للفرد؛

- له عواقب فورية على مجموع النظام النفسي، وخصوصا على كل ردود الفعل المشار إليها بمصطلح ” الصدمة الانفعالية“.

يتعلق الأمر هنا بتعريف جد واسع، بما أنه يشمل فئات متنوعة: مُرفقة أم لا بجروح جسدية على الخصوص. إلا أن كل هذه الحالات مطبوعة بالمفاجأة، والطابع المباغت وغير المتوقع والعنيف للحدث السببي، والشعور الذي ينتج عنه: الرعب.

2°) سريرية ردود فعل الصدمة

أ‌) ردود فعل المرحلة الأولية للصدمة :

الشخص تحت تأثير الرعب: يمكننا آنذاك أن نلاحظ حالات هيجان شديدٍ ومضطربٍ. فيض انفعالي غير متحكم فيه (بكاء، صراخ، غضب، عدوانية،...الخ)، أو العكس، حالات كبح نفسحركي مصحوبٍ بذهول. هناك رد فعل من نوع آخر يتمثل في الغشيان، وهو” آلية دفاعية“ تعتبر من أكثر الآليات قدما وبدائية. ”حين يجد الكيان نفسه مغمورا بإثارة مفرطة الحدة، فإنه يصد الباب أمام كل منبه جديد“ (فينيشيل، 1938).

ب‌) مرحلة العمل: العصاب الصدمي

إن المرحلة الثانية (التي يمكن أن تبدأ باكرا بعد الصدمة أو على العكس، بعد فترة كمون طويلة)، هي عمل دفاعي أو تكيفي، وهي فترة مطبوعة باضطرابات مستمرة:

- موقف انطوائي إزاء كل أنشطة الاستمتاع، فقدان الشهية المَرضي، أرق، اختلال في السلوكات الغريزية (الجنسية على الخصوص)؛

- اضطرابات في السلوك مع خلل في الأفعال الآلية، أفعال فاشلة، نسيان، عدم استقرارية، بحث عن نشاطات متعددة؛

- نزعات ارتدادية مع الاستسلام مثلا للعلاج وللحماية وللأمومية.

كما تظهر نشاطات ذات دلالة كبيرة، تتمحور حول الحادث والشيء المفقود. وهي تمثل ” تناذر التكرار“ جد المتميز:

- تذكر الحادث بكل تفاصيله وظروفه؛

- انتعاش ذكريات وتجارب عاطفية تتعلق بالشيء المفقود.

فالمريض مسمر داخل الحاضر وفي الاستحضار المتكرر للصدمة. القطيعةُ تامة مع ماض لم يعد موظفا، والمستقبلُ لا يمكن تصوره.

تظهر هذه النشاطات في الأحلام على الخصوص، حيث تأخذ هذه الأخيرة شكل كوابيس مخيفة وتكرارية، يبرز خلالها المشهد الصدمي بشكل لا انحباسي. يظهر هذا المشهد مع إحساس شبه هلسي بالواقع، مختلف جدا عن جو الأحلام المألوفة. ويتعلق الأمر في معظم الأحيان بصور تستحضر تفاصيل الحادث بكل دقتها المروعة (وجوه دامية، جثث الأصدقاء الذين قتلوا على بعد بضعة أمتار.). بإمكان هذا التكرار أن يكون مركزا أيضا على أصوات سُمعت أثناء الصدمة، فتكون آنذاك أصوات الجرحى وصراخهم، واستغاثات المحتضرين هي التي تجتاح الشخص وتثير قلقه. أو يكون هناك كذلك، وفي بعض الأحيان، استرجاع لإحساسات شمية (رائحة لحم محروق، الخ...).

ويشار إلى مجموع تعبيرات الانتعاش هذه بمصطلح تناذر التكرار. فهو يشكل تدريجيا المركز المنظم لكل نشاطات الشخص ونمط وجوده. إنه النواة النفسية­-المرضية للعصاب الصدمي.

وأخيرا، يتضمن تطور مثل هذه الحالات تغييرات في المزاج والاهتمامات التي يمكن أن تتركز على أنماط متعددة: سلوكات ارتدادية أو مطلبية، وهمية ¬مرضية. الاستثارية وعدم تحمل الضجيج والآخرين (الأصدقاء القدامى، الزوجة، الأطفال...)، هي أمور تتردد كثيرا، تصل في بعض الأحيان إلى فقدان التحكم في النفس المصحوب بالعنف.

يمكن أن تتواجد أيضا أعراض في شكل عصاب، وهي توصف تقليديا ﺒ ” المبالغة في سمات عصابات سابقة“. سوف نرى بأن لديها دون شك دلالة أخرى.

هذا ما يشكل الوصف التقليدي للعصاب الصدمي [4] . سوف نأتي هنا ببعض التوضيحات السريرية التي تسمح ببسط مداه ودلالته

ج) بعض المؤشرات حول مفهوم الصدمة في التحليل النفسي

أثارت العصابات الصدمية دائما اهتمام «فرويد» الذي خصص لها مكانا خاصا بتمييزها عن عصابات التحويل على الخصوص. فقد كان يلح على هذه التفاوتات المتمثلة في درجة المعاناة الذاتية والوهن الكبير، والاضطرابات الأكثر تعمما للوظائف النفسية، وهذين البعدين للصدمة المتمثلين في ” زعزعة“ الكيان و ” الرعب“ (راجع«فرويد»، 1920).

إن العصابات الصدمية لا تكف بالفعل عن مساءلة النظرية التحليلية¬- النفسية ذاتها، من خلال مكوناتها المفاهيمية للصدمة النفسية، وذلك عن طريق إعادة الفحص الضرورية لمفهوم الواقع الذي تتطلبه، ومن خلال المكانة التي تمنحها هذه النظرية لما هو اجتماعي.

في بداية المسار الفرويدي، كان يُنظر إلى الصدمة من وجهة نظر اقتصادية محضة، كفيض من الإثارات الخارجية التي تفشل تصفيتها أو تطويرها بواسطة الوسائل العادية (تفريغ ، تداعي أو نسيان، راجع «دريفوس»، 1974). فباحتفاظها بشحنتها الانفعالية، تظل التجربة أو الذكرى مثل «جسم غريب» داخل الحياة النفسية. وقد اقترح «فرويد» صورة ”حويصلة حية“ محمية من محيطها بواسطة طبقة حامية أو” واقية من الإثارة“. وما يشكل الصدمة هو الصدع الواسع على مستوى هذه الطبقة. وهكذا، كان علم أسباب العصابات (كل العصابات)، يُرَدُّ إلى تجارب صدمية ماضية، والتي تتباعد بشكل متزايد داخل الطفولة كلما توضحت بحوث «فرويد».

تصبح نظرية الصدمة أكثر تعقيدا بعد تسليط الضوء على الصراع الدفاعي داخل العصاب النفساني الدفاعي، ابتداء من تَكوُّن الهستيريا على الخصوص. فالصدمة تصبح جنسية بشكل أساسي من جهة، ولا تأتي بفعاليتها إلا من مفهوم ” الما بعد“ من جهة أخرى. وهكذا، فهو يفترض دائما وجود حدثين على الأقل: المشهد الأول المسمى بمشهد الإغراء، حيث يخضع الطفل خلاله لمحاولة اعتداء جنسي من طرف راشد، ولكن دون أن تتولد إثارة جنسية؛ وفي مرحلة ثانية، وبعد فترة البلوغ، يقع مشهد أو حدث غالبا غير ذي أهمية، يؤدي إلى استحضار الحدث الأول من خلال التداعي. إن هذا التذكر هو الذي يثير فيضا من الإثارات الجنسية التي تتجاوز دفاعات ” الأنا“.

وفي مرحلة لاحقة من الفكر الفرويدي، سوف يحل مفهوم الاستيهامات محل الإغراء الحقيقي لفترة الطفولة. حيث يأخذ الحدث طابعا صدميا من خلال تنشيط بعض الاستيهامات.

حتى هذه النقطة من النظرية، لم يعد التأثير ” الواصم“ للواقع التاريخي أو الحدثي مرتبطا بخصائصه الموضوعية. ولكنه مرتبط بالنسبة للتاريخي، بالاستيهامات التي تشمله (أن يكون هناك تدخل لمشهد واقعي، يصبح أمرا ثانويا). ومرتبط بالنسبة للوقائعي، بالدلالة التي يكتسبها الحادث حسب منطق اللاشعور الذي يتميز بالنقل والتكثيف.

تطرح في كل مرحلة من مراحل هذا الفكر، وبشكل مختلف، مسألة ” القابلية للتأثر“. وبما أننا لا يمكن أن نتحدث عن ” أحداث صدمية“ بشكل مطلق (أي المتسببة في نفس النتائج لدى كل الأشخاص). يجب إذن أن يكون هناك تهيؤ نفسي خاص أو قابلية: الحالة الحُلماوية ﻟ«بروير»، وبالنسبة ﻟ «فرويد» على الخصوص: الصراع النفسي الذي يمنع الشخص من دمج التجربة التي عاشها داخل شخصيته الواعية.

وفي النهاية، بإمكان الاستقصاء التحليلنفسي أن يؤدي إلى إعادة النظر في مفهوم العصاب الصدمي نفسه. فالصدمة هي فعلا نسبية بشكل كلي، ويمكننا أن نجد سلما كاملا من الدرجات، بين الحالات التي يأخذ فيها حدث بسيط قيمة مثيرة بسبب ضعف درجة التحمل لدى الشخص، أو بسبب القيمة الدلالية للحدث، وبين حالات يكون فيها الحدث، موضوعيا، ذو قوة استثنائية، ويحل فجأة للإخلال بتوازنه.

هناك صعوبة أخرى، ناتجة عن الكشف عن تصرفات نشطة لدى بعض الأشخاص للبحث عن موقف صادم، دون أن يكون لديهم إدراك بذلك. وقد اقترح «ك.أبراهام» (1918) مصطلح ”عشق الصدمات“. لوصف هؤلاء الأشخاص. في هذه الحالة، لم يعد ممكنا إرجاع الرعب، بكل وضوح، إلى المفاجأة، وشرحُ الوصامة بغياب الاستعداد للقلق.

إلا أن هناك عدد من الأدلة التي تبرر وبررت، بالنسبة ﻟ «فرويد» الإبقاء على العصابات الصدمية ضمن فئة مميزة من تصنيف الأمراض وعلم الأسباب: إثارة خاضعة لقوة صدمة ما، والتي تهدد، بحكم طبيعتها، سلامة الشخص. تواجدُ سمات سريرية مختلفة، بالإضافة إلى نمط تحولي خاص أثناء العلاج.

د) مشاكل نفسية-مرضية يطرحها العصاب الصدمي : فشل الترميز والكبت.

تنتج العصابات الصدمية عن عدم قدرة الشخص على ” تطوير“ الصدمة التي كان ضحيتها. حيث تظل هذه الأخيرة نشطة وتتصرف ” كجسم غريب“ يستقطب الحياة النفسية للشخص، كما يحتكر ويوجه كل نشاطه على حساب عدم توظيف كل الأشياء الأخرى ومراكز الاهتمام. إن تطوير الصدمة، بالمعنى الأكثر تعميما الملخص أعلاه (والذي يشتمل بالتالي على بعض الاستيهامات والتمثلات ” التي لا تُحتمل“ بالنسبة للشعور)، يهدف إلى تخليصها مما يرتبط بها من شعور بعدم الارتياح، لتمكينها من بلوغ مكانة الذكرى، جاهزة داخل الذاكرة، ولكن مع إمكانية ” نسيانها“ أيضا (حيث أن النسيان ليس امحاء ولا زوالا).

إن تشكل الأعراض داخل العصابات النفسانية الدفاعية (هستيريا، رُهاب...) يصدر عن تطوير يمكن القول بأنه غير تام، وعن نسيان مخفق. فالشعور نُقل فقط وأحيل إلى تمثل آخر أو فكرة أخرى. إن هذا الفصل بين الصدمة الأولية والشعور هو مصدر الأعراض. إذ يظهر القلق حينها في ظروف أو حسب أنماط ليست لديها سوى علاقة غير مباشرة بالصدمة أو بالتمثلية المرعبة. فهذه الصلة أو هذه العلاقة بين العرض والصدمة هي رمزية، أي أن العرض هو استعارة أو مجاز مرسل، تعبير مُتنكِّر. إن عملية الفصل هذه وخلق الرابط الرمزي الجديد هما اللذان يتعرضان لتأثيرات الكبت. وأخيرا، إن اتضح أنه من الضروري سلك مثل هذا المسار المعقد جدا، فلأن التفريغ كان مستحيلا في مرحلة أولى، أي إبان الصدمة أو اجتياح التمثل المرعب. بعبارة أخرى، أنه كان من المستحيل إنتاج كلمات أو أفعال قادرة على إنتاج ” تفريغ“ للشعور. أو بتعبير حديث: كان من المستحيل تسمية ما كان يهدد بالمثول أمام الشعور.

تنتج العصابات الصدمية إذن عن عجز ثلاثي :

1°) استحالة تسمية ما يتواجد داخل الصدمة، والذي أحدث الرعب و/أو تفريغ هذا الشعور؛

2°) استحالة تطوير الصدمة في اتجاه النسيان؛

3°) استحالة استعمال موارد التداعي الرمزي والكبت من أجل إنتاج أعراض أكثر ” قابلية للتعايش“ معها.

هذه النقطة الثالثة هي التي تطرح المشكل الأساسي، إذ أن الحاجِزَين الآخرين تشترك فيهما كل العصابات.

ه) النتائج السريرية الأولى

الحلم الاضطهادي

إن هذا النقص في الكبت والترميز يمكن من معاينة عدد من المعطيات السريرية.

قبل كل شيء، سمات تناذر التكرار والكوابيس: تكرار مطابق للمشهد الصدمي والذي لا يخضع للتشوهات الرمزية التي تخضع لها بقايا النهاريات داخل الحلم العادي: خاصية شبه هلسية للحلم الذي يأتي كل ليلة لتكرار الصدع والرعب الأولي داخل جو اضطهادي (فالمصدوم مضطهد بواسطة هذه العودة للماضي الذي يظل غريبا بالنسبة له، وذي نبرة” الغرابة المقلقة“)؛ سرد مقولب للصدمة على مدى الحصص، بنفس الإنتاج للقلق، دون أن تحضُر أي فكرة وبتلقائية لتَتَّحِدَ معه من أجل إغنائه أو تغيير مجراه العنيد.

الحداد المستحيل

طابع سريري آخر ذو أهمية قصوى في الممارسة يصبح مفهوما. ما نلاحظه فقط، وبشكل غير منتظم، هي عناصر اكتئابية خلال العصابات الصدمية. ويأتي القلق في المقدمة، رغم أنه قد لا يظهر إلا عند استحضار الصدمة، أو حين يكون الشخص في مواجهة مع موقف يذكره بها. لا شك أن هذا هو السبب في أن فحصا طبيا نفسيا سطحيا يَخلُصُ في بعض الحالات، إلى غياب اضطرابات خطيرة، وينصح باستئناف النشاط السابق. إن ظهور الاضطرابات من جديد، ما أن يعود الشخص ثانية للوضع الذي حدثت به الصدمة (سواء تعلق الأمر بمتابعة القتال أو بنشاط مهني)، تُغذي حينها الشك في التمارض. فالاكتئاب ليس ممكنا إلا إذا كان الترميز ممكنا أيضا. وهو لا يظهر إلا مع عمل الحداد للموضوع الموظف. وهو ما يُعَبَّرُ عنه على مستوى الخطاب، بالتخلي عن السرد المؤلم لصالح خلق قصص جديدة (دلالات جديدة). وهي بالضبط العملية التي يفتقدها العصاب الصدمي.

وهكذا فإن الممارسة تبين أن ظهور تناذر اكتئابي، وتواجد إحساسات بالذنب، وكذا تكون أعراض عصابية تم تطويرها( كالرهابات المنظمة، وأعراض التحويل...)، هي بالأحرى عناصر إيجابية وذات تشخيص أفضل.

إن الحالة العاطفية للعصابيين الصدميين، بغض النظر عن القلق، هي بالأحرى حالة إنهاك ووهن أكثر منها حالة اكتئاب. فبإمكان القلق أن يأخذ صبغة رهابية، وأن يصبح بسهولة رهابا شاملا : فالعديد من الحالات غير المحددة يمكنها خلق القلق.

الجسد غير الشبقي

الجسد هو مركز شكاوى متعددة ومتباينة: آلام، حروق، اضطرابات الحساسية والحواس (البصر)، ضعف عضلي، اضطرابات في التوازن...وهذه الاضطرابات متقلبة، والآلام متنقلة، تختفي ثم تعود. ونادرا ما تكون لهذه الشكاوى الجسدية دلالة رمزية كما هو الشأن في التحويلات الهستيرية. ولا تكون أبدا موضوع تلك ” اللامبالاة الهستيرية“. عند وقوع الصدمة الجسدية (كما هو الشأن بالنسبة لحالات التعذيب أو حادث ما)، فإنها تتعلق مباشرة (أي بدون نقل)، بالأجزاء المتضررة للجسد. فإن كانت هناك دلالة رمزية يمكن أن تستخلص منها أحيانا، فهي غير متميزة، بل هي بالأحرى انعكاس للتمثلات المحيطة (جماعية أم تقليدية) ] [5]

و) صياغة فرضيات نفسية مَرضية

1°) لماذا ليس هناك ترميز للصدمة؟

يمكن التطرق إلى هذه المسألة المركزية بطرق مختلفة:

- إما أن الأمر يتعلق بعجز رمزي خاص بالشخص نفسه. فنعود إلى فرضيات بنيوية أو تركيبية.

- وإما أن الصدمة، بحكم خاصياتها (حدتها أو طبيعتها،...) هي نفسها التي تضع حاجزا للترميز.

إلا أن هاتين الفرضيتين غير كافيتين، ولا تستطيعان إظهار الواقع السريري المُلاحظ (خصوصا مفعول التأثيرات على ” الحشود“، كنسبة الانتحار لدى قدامى محاربي «الڤييتنام» مثلا، التي أدت إلى ضِعفِ عدد موتى القتال...). وللخروج من هذا الخيار، يبدو لي من الضروري إدخال مصطلح ثالث.

إن القدرة على” ترميز“ و”تطوير“ حدث ما، لا تتوقف على الشخص الذي يواجهه فحسب. فالموقف الذي يتبناه لا يخضع فقط لماضيه وتجاربه الصدمية التي سبق له عيشها، بل إنه يتحدد أيضا حسب السياق الاجتماعي المحيط به، بالمعنى الدقيق للعناصر الرمزية، التي تمكن الشخص من الانتماء إلى نظام اجتماعي. هذا ما يمكن بالمناسبة، من فهم الجانب الصدمي لبعض الوصامات التي ليست لديها صدمة ”موضوعية“. إن هذا الجانب” الاجتماعي“ هو الذي أقترح تحديده وبلورته من خلال هذا العمل.

2°) إذا كانت الهوامية منعدمة، ألا يمكننا اعتبار أن الأمر يتعلق بوصامة غريزية ؟

سوف يحل حينها واقع الهيجان الغريزي محل واقع الصدمة. وسأحيل إلى عمل ك.خليل وآخرون (1993)، حول هذا الجانب الآخر من المسألة.

II - توسيع حقل تطبيق الوصامة الصدمية

أ) تمييزات داخل العصابات الصدمية التقليدية

تتعلق المعطيات التي قدمناها لحد الآن، بالشكل النموذجي للعصاب الصدمي، والمُعرَّفِ تقليديا بالطابع الاستثنائي الحاد والمأساوي للصدمة، والمعرِّض لخطر الموت. ويجب التمييز في هذا الإطار، بين عدد من الحالات التي تطرح كل منها مشاكل نفسية مرضية خاصة. إن الخطوط العريضة التالية تستحق أن يتم صقلها وإتمامها.

-  عُصابات الحرب التي يجب أن نأخذ فيها بعين الاعتبار النفسية الخاصة للمحارب، والمرسخة لديه من طرف المؤسسة العسكرية: عامل التدريب (الجنود المحترفون والمجندون لا يشغلون مواقع مماثلة)، أهمية المثل العليا ومدى الإيمان بالقضية المدافع عنها، الخ. (تحدث «فرويد» عن ” أنا“ السلام و” أنا“ الحرب )؛ راجع أيضا «باروا، 1993».

-  مخلفات التعذيب والاعتقالات التي تجرد الشخص من إنسانيته (الترحيلات إلى معتقلات النازية مثلا)، ذات الصدمة المطبوعة بآثار العلاقة بالجلاد والأضرار الذاتية التي تسببت فيها الاعترافات، أو بالأوضاع القصوى (الموضوعية، ولكن أيضا بالانحراف الذي ينظمها على أنها كذلك)، والتي يكون فيها ثمن حياة الشخص هو موت معتقل آخر. في حالات التعذيب لأسباب سياسية، فإن الدوافع الشعورية واللاشعورية للالتزام النضالي، وكذا الشعور بالانتماء إلى مجموعة أو تنظيم، هي عناصر تحدد إمكانيات مقاومة المحن وتعدل العواقب النفسية. ومن المحتمل أن هناك آثار ذاتية خاصة، تنتج عن التعذيبات والاعتقالات ” العمياء“ التي تمارس على أشخاص غير ملتزمين سياسيا، اعتقلوا بشكل عشوائي (كما كان الشأن حينما أرادت الديكتاتورية الأرجنتينية فرض مناخ من الرعب المعمم).

-  في الكوارث الطبيعية، في حوادث السير وبعض الاعتداءات الإرهابية وبعض الابتزازات الدنيئة، فإن الضحايا مجهولو الهوية ووحيدون بشكل تام في معاناتهم، من حيث عدم وجود أي تمثيلية جماعية تساندهم وتمنحهم الإحساس بالانتماء إلى مجموعة (يوحدها مثلا، مثال حربي أعلى، وقضية تدافع عنها، ومعاناة مشتركة...الخ). حينها يكون مشكل الاعتراف بالضحايا أكثر حدة. ويتفاقم التعسف والهجر المعاشين، وهذا ما يفسر لا محالة، التأسيس الحديث لجمعيات الضحايا والتشريعات الجديدة لصالحهم.

ب) وصامة صدمية وهجرة

هناك حجج سريرية ونفسية مَرضية تُجيز التفكير في أن هناك وصامة صدمية تباشر عملها في مواقف أخرى. لا نجد فيها دائما الخاصية الكارثية للصدمة، إلا أن هناك سيطرة منتظمة للواقع ” الخارجي“ (في تعارض مع الاستيهام)، وذلك في شكل تَثَبُّتٍ للصدمة (و لو كانت بسيطة)، أو بإلحاح معطيات الواقع الملموس (اجتماعية، اقتصادية، مهنية،...الخ). وهذا هو الشأن بالنسبة للاضطرابات النفسية الملاحظة لدى عدد كبير من المرضى من المهاجرين.

سوف نأخذ كنموذج لوصف ذلك، الحالة الأكثر حدوثا، أي حالة المريض المهاجر في توقف عن العمل (ممدد في معظم الحالات)، إثر حادث أو حدث عرضي بسيط في الشغل، بل وأحيانا، بسبب اعتلال طارئ أثناء مرض آخر.

زمنية

لا شك أن المعيش الزمني لهؤلاء المرضى هو من بين العوامل الأكثر خصوصية، والذي يحيل إلى الوصامة الصدمية بشكل مباشر. فقد أدى الحادث إلى قطيعة جذرية في المسار الزمني بين ما قبل و ما بعد، متعارضان في كل شيء. إذ تضفى أحيانا صبغة المثالية على حياة ما قبل الصدمة، ولكن غالبا ما تتم مواراتها أو الكف عن توظيفها. فاستحضار السيرة الذاتية قليل وصعب، بل وغائب بشكل كلي. ليس هناك أي رابط بين الوضع الراهن وأحداث أو معاناة ماضية. فيبدو الشخص غير مرتبط بتاريخه الشخصي، ولم تعد له أي قدرة على أن يتصور نفسه في المستقبل. الزمن المعاش هو الحاضر: آنية الشكاوى والآلام التي لا تقلل من حدتها الأشهر؛ حيوية الصدمة المتضرع بها والتي تُستحضر وتُحكى بانتظام. التكرار المقولب للشكاوى تعزيمةٌ لا مفر منها في بداية كل مقابلة، بإمكانها أن تشكل في حد ذاتها، ما يشابه تناذر تكرار العصابات الصدمية. وبالرغم من أن هناك استحضار لذكريات في شكل قلق أو صدمات لمرحلة الطفولة، فليست هناك روابط مع الحاضر أو أنها قليلة التوظيف. إن هذا الحاجز ينضاف إلى غياب ترميز الصدمة المشار إليها أعلاه.

الجسد

غالبا ما تكون معاناة الجسد في المركز الأول، سواء كان هناك انتهاك جسدي أو خطر حيوي. علاوة على غياب تطوير من نوع هستيري، فإن العلاقة بالجسد نفسه تبدو موسومة بالغرابة. يصبح الجسد نفسه”جسما غريبا“، ومصدر قلق ممزوج بحيرة تشبه تخليا عن الذات. فاضطرابات الحساسية هي جد كاشفة: هذا المريض مثلا ينتف قبضات من شعر صدره متخذا إيانا شهودا على عدم حساسيته، وهذا آخر يضرب و يقرص ويرضُّ نفسه [6]. تتناقض هذه الظواهر مع فرط الحساسية وحدة الآلام بجميع أنواعها التي تتمركز حولها شكاوى هؤلاء المرضى أنفسهم. إن هؤلاء المرضى لا يتعرفون على هذا الجسد الجديد الذي يضطهدهم. فهم يتذكرون أنهم كانوا فيما مضى جُلداء بشكل خاص، وقليلي التأثر. هناك مريض تُركيٌّ كان قد أصيب في الماضي بحوادث جسدية كثيرة (سقطات، كسور،...)، وكان يشرح ذلك بأنه كان ينهض كل مرة دون الاكتراث بكدماته، ويضيف قائلا «كأن جسدي كان شيئا إضافيا في تلك الفترة»، مثل جهاز مستقل يعمل لحسابه الخاص، والذي لا تنال الجروح من معنوياته أو إرادته. بالإمكان طبعا التساؤل عما إذا لم تكن هذه العلاقة المفرطة النشاط الوظيفي بالجسد، هي أصلا، وفي حد ذاتها، نتيجة توظيف مرضي، كما هو الشأن في العصاب الصدمي، حيث اضطرابات الإدراك واضطرابات البصر على الخصوص، شيء مألوف.

قلق

إن الأشكال التي يتخذها القلق في هذا الإطار جد متغيرة. فهي تسيطر في بعض الأحيان، غامرة بشكل منتشر كل مجالات حياة المريض، على شكل حالة احتراس دائمة، وإحساس مبهم بالخطر وبالتهديد. ويمكن للقلق أن يتخذ أشكالا رهابية، ولكن الرهابات لا تنحصر في وضع أو شيء محدد، فهي عادة معممة (الخوف من الخروج وحيدا، من سياقة السيارة، من الحشد، ظهور إحساس بالدوار في الأماكن المرتفعة)؛ وغالبا ما تكون هناك رهابات اندفاع تكشف عن عدوانية يمكنها أن تؤدي إلى الانتقال إلى الفعل.

إن القلق هو مصدر الكوابيس التكرارية أحيانا، حيث يُستبدل المشهد الصدمي بسيناريوهات مطاردة (من طرف رجال ذوي تقاطيع ضبابية، أو من طرف حيوانات مرعبة...) حيث تكون حياة الحالم في خطر.

ينحصر القلق أحيانا في ظروف محددة. ومن بين هذه الظروف، العودة إلى الشغل. إلا أن مقابلة خبير، والكلمات المشجعة أو الآمرة باستئناف النشاط، و كذا رفض الأدوية، تُحدِث أحيانا فيضا انفعاليا على شكل نوبات غضب. إن ما يحدث هنا مرتبط بالدلالة التي تتخذها مثلُ هذه الأوامر لدى ” الشخص المصدوم“: فهي تُعيدُ تَحْيينَ بُعد الإقصاء وعدم الاعتراف بالمعاناة وبالصدمة من جهة ؛ و لديها من جهة أخرى، قيمة الأمر الأبوي، وتحيل الشخص إلى مركز قلقه. فالصدمة تبدو فعلا في صراع مع صورة أبوية هي أساسا مرعبة وفظة، ومن نوع ” الأنا الأعلى“، استحضار مرتجل لسلطة رمزية عاجزة. (أنظر بعض الملاحظات حول هذه المسألة في الجزء الثالث).

استثارية وعنف

تترجم الاستثارية واضطرابات المزاج إذن بنوبات غضب وانفجارات عدوانية تجاه الذات أو الآخر. بعنف أسري وتفاقم العزلة الاجتماعية والعزلة داخل الأسرة. يتعلق هذا الانتقال إلى الفعل، مرة أخرى، بتلك الصعوبة في الترميز الخاصة بالوصامة الصدمية. فمصادر الاستثارة، سواء تعلق الأمر بالضجيج الذي يحدثه الأطفال، باتهامات الزوجة أو الصديق الذي يود فقط بدء حوار، هي جميعها تدخلات غير محتملة لا تستطيع أي كلمة أن تجعلها مسالمة. فهي تحتل نفس وظيفة المشهد الصدمي نفسه، إنها بقايا واقع تعود على حالها الثابت والمضطهد.

تراجع نرجسي وحداد مستحيل

يعيش المرضى انهيارا كليا لكيانهم. فقد تخلوا عن كل التوظيفات السابقة لصالح اهتمام مطلق بالجسد، وبتلك اللحظة من حياتهم حيث انقلب كل شيء. نكوصات عميقة تجعل الرجال يستقيلون فجأة من وظيفتهم الأسرية كآباء وأزواج. ويؤكدون بشكل عنيف لا مبالاتهم تجاه أطفالهم الذين يصبحون منافسين لهم، يدخلون معهم في سباق من أجل نيل اهتمام ورعاية الأم. ويقوم آخرون بتطوير إحساس بالذنب انطلاقا من هذه اللامبالاة نفسها التي تفرض نفسها عليهم، وتملؤهم خجلا. وتتزايد كل هذه الاضطرابات داخل الأسر المهاجرة، بفعل الهوة التي تفصل منذئذ بين واقع أب عاجز، وتمثله التقليدي المفعم بالرجولة والقوة والسلطة. يبدو حداد الصور المثالية مستحيلا، ويتغذى الانهيار النرجسي من مرجعية أب أضفيت عليه صفة المثالية، ولا يمكن المساس به. أو أيضا من الاعتقاد بالعودة الممكنة إلى الجنة المفقودة للطفولة (أسطورة العودة التي لم تتحقق أبدا في الواقع هي أحد أشكالها). ولنؤكد من جديد على تقلب العناصر الاكتئابية داخل هذا السياق الصدمي. (ليس من النادر أن يشكوا المرضى من ازدياد في الوزن وليس من فقدانه).

ثمة فقدان يطرح إلى الواجهة: الصحة، القوة، السلطة، الشجاعة، قدرة التحمل، احترام الأطفال، تقدير الرؤساء،الخ...؛ إلا أن هذا الفقدان لا يخضع لعملية الحداد، مثلما لا تخضع اللحظة الصدمية لعملية النسيان. زد على ذلك، أن ” اللحظة الصدمية“ تتمثل أحيانا في سرد الصدمات المتعددة التي كان المريض ضحيتها، وصولا إلى تلك الصدمة التي بلورتها جميعها، وجمعتها في حدث واحد دال: إهانة في العمل، عدم دفع الأجور المستحقة بسبب الجهل بالعقود الممضاة، سلوكات عنصرية داخل الوسط المهني، الخ. تبدأ هذه القائمة غالبا مع صدمة الرحيل من البلد الأصل، والتي عيشت في نفس الوقت، كإبعاد وكتضحية من أجل الأسرة.

” فقدان معنى الحياة : الأموات¬الأحياء“

يتم التعبير كثيرا عن فقدان من طبيعة أخرى، يبدو لنا خاصا جدا بالوصامة الصدمية. بإمكاننا الحديث عن فقدان معنى الحياة. ليس بالمعنى السوداوي أو الاكتئابي، حيث المهانة والإحساس بالذنب هما اللذان يبرران عدم العيش، (واللذان ليسا سوى الوجهين المعكوسين لتوظيف مستمر، وفي النهاية، لنوع من الإيمان بقيم الكرامة والنبل والنزاهة...الخ). فالشخص المصدوم لا يفهم ما يحصل حوله، فيصبح في حيرة شديدة أمام ضجة عالم أصبح فيه غريبا بشكل جذري. يسألنا مريض بانتظام: «عندما أرى الناس يمشون ويجرون ويأكلون، ويحبون زوجاتهم، ويعتنون بأطفالهم، ويتلذذون بشيء ما، فإني لا أفهم شيئا. لقد انتهى كل هذا بالنسبة لي. ماذا يفعلون؟ لماذا يفعلون كل هذا؟ لماذا العيش؟ لماذا نأتي إلى الدنيا؟». يبدو الواقع الاجتماعي والأسري مُدرَكاً من بعيد، كما لو كان منبسطا على حيز سطح شاشة سينما، حيث تصبح حركات العالم هزلية أو مقلقة، دون غائية تدرك بالحواس ودون عمق. إن تسطح الفضاء هذا وحياة الجمود، بينما العالم يتحرك حول الشخص، هو أقرب إلى توقف انسياب الزمن المشار إليه من قبل، وإلى كثافة حضور البصري - السينمائي في تناذر التكرار. إن عالم ” الشخص المصدوم“ يصبح منكمشا بحجم البعد المسطح للصورة والتمدد الجامد للحظة. إنه ليس بشيء مفقود هنا، إنه الإحساس بالعيش ” مثل“ أو”مع“ الآخرين، الإحساس بالانتماء إلى عالم الأحياء. فالمصدوم يعيش كميت-¬حي، مبعد عن جماعة البشر ذوي الرغبات. سوف نرى أن هذا الإبعاد، هو ربما أساس علم النفس المرضي الصدمي.

الجوانب التحويلية

إن توجيه العلاج وصعوباته تنجم عن كل هذه العناصر. فالعلاقة العلاجية موسومة بالخضوع (الانتظام في المواعيد، الانتظار الاستكاني للحلول). غير أن التحويل لا ينتج شروطا للتطوير. فالخطاب لا ينزاح عن المركز بشكل عفوي، والأعراض لا تتنقل بسهولة. فالمعالج يُتخذُ في البداية كشاهد على المعاناة من خلال عرض تكراري للشكاوى. وحينما تكون هناك إمكانية لبعض الفلتات، حين تُقترح روابط ذات دلالة مع الماضي، فإنها تولد أحيانا الموافقة والدهشة، وتُزعزِعُ الخطاب الجامد. ولكن كل شيء يكون قد نُسي في الحصة اللاحقة. فتسلسل البناء لا يستعاد أبدا. كما أن التطوير يبدو مستحيلا خلال الفترة الفاصلة مابين الحصتين. كل شيء يجري كما لو أن كل ما يهم، أثناء العلاج أيضا، هو آنية كلمة يتم قرنها بالحاضر. فكما أن الكوابيس التكرارية تعجز عن إنتاج روابط رمزية (خلافا للأحلام العادية التي هي في خدمة الكبت)، فسرد الشكاوى أواللحظة الصدمية ليس له تأثير تفريغي، ولا يجلب أي ارتياح دائم (راجع «باروا»، 1988). يتضح في النهاية، أن البعد الشفوي للعلاج النفسي وحده غير كاف أو غير ملائم. كما يبدو أن لأهمية الواقع المطروح داخل هذه الاضطرابات نتيجة منطقية، وهي مطالبة المعالج بالقيام بفعل دلالي.

مساءلة المؤسسات وزعزعة المراجع

وأخيرا، هناك نقطة مشتركة أخرى في خطابات هؤلاء المرضى، تقربهم مرة أخرى من العصابيين الصدميين: إنها الاتهام الدائم للمؤسسات. ويتخذ هذا الاتهام أشكالا مختلفة جدا من بينها، المطالبة بدخل أو تعويض عن ضرر. وإن كانت تتكرر، فهي لا تمثل مع ذلك إلا جانبا كاريكاتوريا و مضللا.

يبدو أحيانا أن المرضى يكتشفون بمناسبة مرضهم، وبشكل استعادي، الوضعية الحقيقية التي كانوا عليها داخل المجتمع الذي ” استقبلهم“، وداخل مجال العمل على وجه الخصوص. كما لو أن إنكار الواقع الذي كانوا يستندون عليه، لم تعد له فعالية الآن. وليس من النادر سماع تصريحات حول العنصرية المحيطة، ولازمتها داخل الخطابات السياسية. لقد خيبت فرنسا الآمال. فرنسا كمكان رمزي للحق والمساواة، تلك التي كان يُعتقد أنها ضامنة لهذه القيم الأساسية.

ومع ذلك، فالمرضى يظلون في أغلب الأحيان منغمسين في حيرة، وفي موقف مزدوج ومتناقض لا يتخذ حكما بين القيد التقليدي لبلدهم الأصلي، وانحراف حرية جمهورية تستبعد الأكثر ضعفا. وتتجدد هذه الصراعات داخل الأسرة، حيث يختلف الأب و الأبناء. كل واحد متشبث بمطالبه الوهمية. ينبغي اعتبار هذه الزعزعة للثوابت والقيم والمراجع التي كانت فعالة حتى اليوم، مكونا في حد ذاته للبعد الصدمي للوصامة (من حيث أن انهيار نظام التمثلات الرمزية، يجعل الشخص في مواجهة عزلة ” اجتماعية“ قصوى).

III- المسألة الاجتماعية

يمكننا إرجاع الوصامة الصدمية، بالمعنى الواسع الذي نقترحه، وبالرغم من الحالات المتنوعة والتمييزات الضرورية، إلى ثوابت مركزية ينبغي تحليلها:

- مفهوم اللحظة الصدمية الذي يتخذ دلالة مزدوجة: دلالة الهجر ودلالة الخطر الحيوي.

- إحساس بالإبعاد عن جماعة الأحياء ( لكن التعبير ضعيف جدا: إنه ليس ” إحساسا“ فحسب).

- استحالة ترميز النواة الصدمية.

إن ما هو معرض للخطر هو الحياة، وبالمعنى ” الجسدي“ للكلمة في عصابات الحروب والكوارث والتعذيب...الخ. ولكن، وفي جميع الأحوال، هناك تواجد لمفهوم الموت الاجتماعي، الذي لا يمثلُ فقدانُ الرغبةِ سوى تعبيرٍ محدودٍ جدا عنه.

أود التأكيد على أن هذا الموت الاجتماعي ليس ظاهرة عارضة، عاقبة فحسب أو نتيجة طارئة للصدمة الأولية، بل إنه يشكل في حد ذاته بعدا صدميا أساسيا.

الوصامة الصدمية تساءل وتسمح بتجديد التصور الذي يمكن أن نكونه عن عملية (وأساليب) الأنسنة. بتعبير آخر، ما الذي يسمح للإنسان بأن يصبح كائنا حيا، أي كائنا ذو رغبة، وأن يظل كذلك بالرغم من تقلبات الحياة. وعكسيا، ما هي بالضبط أسباب التجريد من الإنسانية التي تحكم الوصامة الصدمية؟

حدود النموذج التحليلنفسي ” الوراثي“ أو ” النمائي“

ما يحكم عملية الأنسنة، من زاوية نمو الطفل، هو عبور عقدة أوديب. وبإيجاز، على الطفل أن يتمكن من الانفصال عن أمه بفضل تدخل هذا الشخص الثالث الفاصل، الذي هو الأب. فهذا الحداد الأول هو النموذج الأولي لكل الآخرين، والذي سيهيئ فضاء شاغرا، أي الافتقاد، حيث يمكن أن تستقر الرغبات والتوظيفات والإبداعات الشخصية اللاحقة. فالوظيفة الأبوية إذن هي المشغلة لكل ترميز عندما تأتي لتبليغ قانون تحريم زنا المحارم.

إلا أن هذه الأجوبة هي أقل بداهة مما يبدو. يجب التخلص أولا من وهمين اثنين:

- فكرة شخص أحادي ينتج رغبته الخاصة بنفسه. فالرغبة على العكس، تتميز بخارجيتها وعدم خصوصيتها. فالرغبة لا تظهر إلا من خلال "سلبها“ ذاته. هناك تعبير لاكاني يوضح ذلك: «الرغبة هي رغبة الآخر». بمعنى رغبة الأم بالنسبة للطفل مثلا. ولكنها بشكل أعم، ككل ما لا يمكن أن يوجد إلا بالانفتاح على الغيرية. إن فقدان الرغبة لا يشبه نقص الوقود لآلة غريبة للرغبة، نحتجزها في أعماقنا منذ الطفولة، إنها قبل كل شيء، اللقاء الذي أصبح مستحيلا.

- الوهم الآخر، هو وهم سلطة رمزية ابتكرت ” ككيان خاص“ مستبطن بشكل نهائي، قد يكون بعضهم، بسبب تاريخهم وطفولتهم، قد حرموا منها بشكل غامض. هذه هي الترسيمة التي يتم تطبيقها من أجل التمييز بين العصابات الدفاعية والذهان. وإذا ظلت مستعملة داخل هذا الإطار، فإن الوصامة الصدمية تظهر عدم كفايتها. إن الصدمة تؤدي إلى عجز في الترميز لدى أشخاص كانوا يبدون لحد الآن، كما يقال، مدمجين داخل ” النظام الرمزي“. وإلا يجب اعتبار كل هؤلاء الأشخاص ذهانيين بالقوة، وهي طريقة لتفادي السؤال بالإجابة عنه قبل فحصه.

لا شيء يدل على أن الإدماج داخل النظام الرمزي والأنسنة، هي معطيات دائمة ومضمونة بالنسبة لشخص ما. بل بالعكس، يكفي أن ننظر إلى الاضطرابات الوحشية للعالم الجغرافي-¬السياسي وحروبه، لكي نقتنع بأن لا شيء أقل ضمانا للشخص من أن يحافظ على إنسانيتة.

أنسنة، اجتماعي و مؤسسات

إن الأسطورة الفردانية تنسينا أن الإنسان كائن اجتماعي قبل كل شيء، وأن بنيته الذاتية متعلقة بشكل وثيق بإجراءات رمزية تتجاوزه، وتجري داخل مشهد آخر. هذا المشهد الآخر، هو ذاك المتعلق بالتمثلات التي تنتجها المؤسسات القانونية والسلطة على مستوى مجتمع أو دولة. مؤسسات دينية وسياسية وقضائية، دورها إخراج وتبليغ وضمان قانون المحظورات. هذا ” المشهد الآخر“ المتعلق بالخطابات المؤسساتية، هو في تناغم وثيق مع ” المشهد الآخر“ بالمعنى الفرويدي للكلمة، ذاك المتعلق بالحلم واللاشعور.

فالوصامة الصدمية تجبرنا على فحص التشوهات التي تتعرض لها هذه الخطابات المُؤسَّسة والمُؤسِّسة، وعواقبها الذاتية. (سوف أستعين، وبتصرف كبير، بأعمال «بيير لوجوندر» لذكر هذه الجوانب). بعض الأمثلة سوف تمكن من فهم أفضل للموضوع:

- لننطلق من المثال النموذجي في مأساويته، والذي تم التذكير به من طرف «إ. ﯖوميز¬ماﻨﯖو» (1987)، حول ما عاشه المجتمع الأرجنتيني في ظل الديكتاتورية. فلم يكن يعلن أبدا عن إعدامات الأشخاص المقبوض عليهم من طرف السلطات التي كانت تجعل منهم ” مختفين“. « ” الاختفاء“ يَدَّعي قتل الموت عن طريق إخفاء الموتى » (ﯖوميز-¬ماﻨﯖو،1987). كانت أمهات ساحة مايو المجنونات تأتين للشهادة باستحالة الحداد الناتجة عن هذا الإنكار المؤسساتي. لا يمكن للعملية الرمزية للحداد أن تتم في غياب الاعتراف المؤسساتي بالموت، وبطقوس القبر والمراسيم المؤسِّسة للميثاق الاجتماعي.

- هذا المساس بالذاكرة مخيف في حاليته من خلال إحياء بعض الخطابات الإنكارية، وغموض بعض المؤرخين ومحترفي السياسة إزاء الإبادة الجماعية. كان رفض ذكر الموتى من بين اختصاصات الفظاعة النازية. ليس قتل الشخص فحسب، بل قتل اسمه وذاكرته أيضا. كان هذا الموت المزدوج مآل فئة من المعتقلين السياسيين بالمعسكرات النازية، تنفيذا لمرسوم نازي لسنة 1941 معنون ب ” ن.ن“ الحرفين الأولين من اللاتينية ” نومين نسيو“ وهو ما يعني: لا أعرف الإسم.

إن هذه الأمثلة المريعة هي هنا لتذكرنا، من خلال فظاعة فسادها في التاريخ، بالوظيفة المُأَنْسِنَةِ للمؤسسة: ضمان العملية الترميزية التي يُقحم الشخص بواسطتها داخل توالي الولادات والوفيات.

- يأتي الشريط السينمائي ﻠ«جان¬-بيرنار أندرو»، ” الرعب والإنسان“، بشهادات مؤثرة في إطار هذا المنظور. فنحن نلاحظ أن استحالة ترميز الصدمة والقيام بالحداد (والنسيان) لدى كل ضحية، يقابلها عجز المؤسسات عن الاعتراف بمأساوية الحدث (أو السكوت عنها لأسباب سياسية). فالمحارب القديم في «ديان¬ بيان¬ فو» يلاحظ بمرارة، حين عودته، أنه بالإضافة إلى عدم وجود أحد في استقباله ( نعني هنا: لا أحد من الممثلين الرسميين)، لم تكن هناك أبدا أية علامة رمزية لتسجيل الكارثة التي تم تكبدها في الذاكرة. فيقول متأسفا: « لم تكن هناك أية حديقة عمومية صغيرة، أي زقاق لذكرى «ديان¬ بيان ¬فو». ويوجه المحارب القديم في «الڤييتنام» ألمه للبلد الذي قام بدفنه، ويضيف قائلا: «إلى الوطن الذي لم تعودوا تروه في قعر عيني». ما يتذكره عن عودته من الحرب، هي شتائم التجريم الشعبي: «مجرمون! قتلة الأطفال!» يبدو أنه فقد تماما تمثل المثل العليا التي كانت تدعم عمله. تقول الضحية الشابة لاعتداء بقنبلة: «ليست القنبلة هي التي قتلتني. لقد تكفلت بذلك الإدارة». وتذكر الصعوبات التي واجهتها لكي يتم الاعتراف باضطراباتها على المستوى الطبي، واستحالة الحصول على تعديل مِهني. وتأخذ باقي الشهادات نفس الاتجاه، وتعرض جميعها عجز إدارة الصحة عن الاعتراف باضطرابات أصحابها. هناك شريط سينمائي آخر لافت للنظر، ويستحق أن يشار إليه في هذه المرحلة من التحليل. يتعلق الأمر بشريط «حرب بدون إسم» ﻠ«بيرتران تاڤيرنيي»: مجموعة شهادات لقدماء مجندين فرنسيين في الجزائر، كلهم يروون، تقريبا، أعراضية صدمية (لم يتحدث معظمهم مع أي أحد منذ ثلاثين سنة، قبل أن يتيح لهم «تاڤيرنيي» الفرصة). «حرب بدون إسم»، هو عنوان حصيف بشكل خاص يحدد مكان الجرح إلى حيث يعقر السرج الفرس.

الصمت والإنكار، ورفض ذكر الإسم والتسجيل في الذاكرة، هي اختصاصات أي صدمة ومصدر تكرارها المحتوم (وهذا ما نجده أيضا على مستوى الوصامة الأسرية).

يمكننا إذن اعتبار أن غياب الترميز ليس فقط فعل «شخص أحادي»، محروم من بعض القدرات أو الكفاءات، بل هو على الأصح، تأثير خطاب مؤسساتي يقصيه.

لم تعد المؤسسة تقوم بالدور المنوط بها لضمان النظام الرمزي، من خلال التمثلات التي تنتجها (خطابات، احتفالات، طقوس الحفلات التذكارية، قوانين...). فالمؤسسة تتغيب عن مهمتها الأساسية، وهي أن تأخذ على عاتقها، داخل المشهد الخاص بها (على الساحة السياسية والدينية بل والإدارية أيضا...)، العمليات الترميزية المؤسِّسة والتي تؤمِّنُ تخليد الذاكرة، وإدراج الشخص داخل نسب. وباختصار، كافة الطرق التي سوف تضمن وجود قانون يخضع له جميع الأشخاص، والذي يؤمن بالمقابل إحلال السلام داخل الكيان الاجتماعي.

سياسة دمج متجاوزة: المثال الفرنسي

للعودة إلى مشكل التعامل السياسي مع الهجرة، كيف لنا ألا نندهش من أن الخطاب الرسمي بفرنسا، المرتكز على الدمج والحق الأوحد للأفراد، لا يزال مستمرا، في تناقض فادح مع الواقع الحالي للمجتمع الفرنسي، بل وفي تناقض مع تطور مختلف السلطات والإدارات التي، عند مواجهتها لقضايا واقعية، تدلي بأحكام لم يعد مرجعها دمج الشخص، بل بالأحرى، نوع من الاعتراف بالأقليات في تعدديتها الثقافية؟ إن الخطاب الرسمي الفرنسي مصر بعناد على موقفه: ليست هناك أقليات بفرنسا.

بعض الأمثلة (مستقاة من مقال ﻠ«نوربير رولاند»، «لوموند الدبلوماسي»، تشرين الأول/أكتوبر 93): مصادقة المجلس الدستوري على وضع كورسيكا؛ دعم اللغات المحلية والإقليمية من طرف التربية الوطنية؛ بداية الاعتراف بتعدد الزوجات لدى الأجانب بواسطة أحكام قضائية موازية لمجلس الدولة ولمحكمة النقض؛ إعادة تأويل مبدأ العلمانية من طرف مجلس الدولة الذي مكن التلاميذ، في تشرين الثاني/نونبر 1992، من ارتداء علامات تبرز انتماءاتهم الدينية. وعلى مستوى الخطاب، فإن المجتمع الفرنسي يبدو معطل الابتكار أو الشجاعة، عاجزا عن خلق تمثلات تضمن الميثاق الاجتماعي. ما الذي يمكن انتظاره، من ناحية أخرى، من تعديلات قانون الجنسية وإلزام أبناء المهاجرين على الاختيار؟ ما الذي يعنيه مثل هذا التملص، رفض الدولة تحمل المسؤولية الرمزية للحصول على المواطنة؟ ما الذي يمكن انتظاره من ذلك سوى إقصاء متزايد؟.

وبتعبير آخر، وداخل هذا السياق، على مؤسسات المجتمع المضيف الاستجابة لطلب تنظيم رمزي. إن زعزعة الثوابت، بمعنى المُثُل هذه المرة، هو نتيجة محتومة لواقع المنفى أو الهجرة. فالمنفى يجبر الشخص على تعديل الصور المثالية التي كانت تدعمه في بلده.إن المواجهة بين الواقع الصعب والمعدِم أحيانا، والمثل التقليدية أو التي أحضرها الشخص معه، تجبره على إعادة طرح النظر حول صورته نفسها، أي الصورة التي يعطيها للآخرين عن نفسه، لأبنائه مثلا، و التي هي في تعارض كبير مع الصورة التي يريد أن يعطيهم إياها. هذا الانفصال الإجباري، هذا التردد الوهمي يفسر التراجع النرجسي الملاحظ في فترات الأزمة هذه. و الحال أن تطور هذه الأزمات، لا يتوقف فقط على إمكانات الشخص، بل أيضا على الإمكانيات الرمزية التي نضعها رهن إشارته لكي يجد نفسه، ولكي يسترجع مكانة اجتماعية لائقة. فالأمر يتعلق هنا بجميع درجات الاعتراف به ككائن بشري.

عجز مؤسساتي واستدعاء الصورة الأبوية: المجتمع لا يمكن إلا أن يكون ” سلبيا“

إن زعزعة المرجع أو انحرافه بالمعنى الذي حاولنا الكشف عنه، يوضح عنصرا نفسيا¬مرضيا شبه ثابت لدى المهاجرين الذين نلتقي بهم. فجميعهم تقريبا، يستحضرون أثناء علاجهم النفسي، صورة أبوية مخيفة، وحشية، ولا يمكن المساس بها. ليست المشكلة في كون الأب الحقيقي كان فعلا وحشا سلطويا أو باردا. هناك تأويل ثقافوي يعطي الأفضلية لغرابة الآباء الشرقيين، ولكنه غير كاف. هذه النقطة مرتبطة بنيويا، أي منطقيا، بإشكالية الصدمة وبالمرجع العاجز. فالشخص المصدوم يوجد في مواجهة مباشرة مع المسألة الجوهرية المتعلقة باندماجه داخل النظام الإنساني والاجتماعي. فهو منغمس داخل عزلة قصوى؛ والصدمة تلقي بالإنسان إلى الوحشية في شكلها الخام، وإلى قسوة الواقع. لقد ترك لنا «فرويد» أسطورة القبيلة البدائية لكي نتأمل في هذه القضايا (انظر ” الطوطم والحرام“). لا يمكن إحلال السلام بين الإخوان إلا بعد قتل الأب، وذلك بفضل عملية الحداد، والإحساس بالذنب الناتج عن هذا القتل المرتبط على الدوام بخرق القانون. تجربة الصدمة تجعل الإنسان البائس يواجه فظاعة الواقع، وهو ما قد تكون لدينا فكرة عنه، دون شك، من خلال التراجيديا اليونانية. عهد ما قبل الديانات التوحيدية، وظهور الإنسان بالمعنى الحديث. عهد حيث يبدو أن الموت لم يكن مرتبطا بالإحساس بالذنب (انظر «روزالتو»، 1969).

في مثل هذه الحالة، تُستحضر التمثلات المؤسِّسة للنظام الرمزي. وتظهر صورة الأب فجأة، إذ أن على الشخص، للإفلات من الموت الاجتماعي، وحتى لا يظل ميتا-¬حيّا، ولأسباب بنيوية، أن يقتل الأب رمزيا من جديد. هذا الاستيهام البدائي للقتل يفسر دون شك شراسة الأنا الأعلى، التي تتخذُ الصورُ الأبويةُ سماتَها من أجل العودة.

المرجع والقانون الرمزي يستندان إذن على موت وحداد، وبتعبير آخر، على غياب. فتذبذب المرجع هو هذا أيضا: رفض أو إنكار الغياب المؤسس لإمكانية الحياة الاجتماعية. هذا للتأكيد على أن سمات الاعتراف بالهوية (الداخل¬­إثنية، العرقية، الدينية، الوطنية، الخ)، لا يمكنها أن تشكل الأسس الرمزية لمجتمع ما. سيكون من الأجدى التفكير في مصطلح " ” المجتمع السلبي“ المقترح من طرف «جورج باتاي» و الذي أدرجه «موريس بلانشو» في مؤلفه «المجتمع المسكوت عنه»-«مينوي»، 1983.

كخلاصة

انحراف اللغة: الصدمة و” الحداثة الصناعية الفائقة“ [ أستعير هذه الصيغة من ” ﭙيير لوجوندر“]

ثمة شكل أخبث للانحراف الرمزي، طريقة دنيئة للخداع بالكلمات، لقتل إمكانية اللغة نفسها.

جمعت طاولة مستديرة خصصت للتعصب ورهاب الأجانب وعداء السامية، نظمت منذ فترة قصيرة بستراسبورغ، بعض الفرنسيين ورجال سياسة روسيين. أولى الحجج التي تم سماعها -¬لا يتعلق الأمر بحجة بطبيعة الحال¬- كانت هي: « وماذا تفعلون بعدم التسامح مع اللاتسامح؟». هذا شيء مألوف بالنسبة لنا. فاليمين المتطرف عندنا يستعمل نفس الأساليب للتصدي لخصومه: فهو يتهمهم ” بالعنصرية المناهضة للعنصرية“. من هذا المنطلق، يمكننا قول أي شيء وكل شيء، وعلى الخصوص، أن لا شيء له معنى. يمكننا عدم اتخاذ موقف بين العرب والعنصريين وبين النازيين واليهود، ويمكن إتمام هذه القائمة إلى ما لا نهاية في شكل مواجهة إعلامية، أي المبارزة التي تؤدي إلى تكافؤ معمم للصيغ. كل شيء يعادل كل شيء وأي شيء. إنه ليس نقاش الساقة، مخصوص لتغذية الحنين إلى عز القيم القديمة الجيدة. إنه تحديدا، الخطر الأكثر جسامة، والذي يهدد مجتمعاتنا بل والمجتمع العالمي، من حيث أن وسائل الإعلام تجعله متجانسا بسرعة بالغة.

والحال أن الأمر يتعلق هنا بالضبط، بما يسميه التحليل النفسي بالانحراف: إنكار القانون ورفض الاعتراف بوجوده ذاته. ذلك لأن المشكل ليس هو المساواة أو عدمها، بدون تمييز بين النازيين والمقاومين بذريعة أن الاثنين يستعملان السلاح. فالسؤال الذي يتملص منه الخطاب المنحرف بعناية هو: باسم ماذا يتقاتلون؟ ما هي القيمة وما المرجع اللذان يبرران القتال؟ إن صيغة ” باسم“ هي قابلة تماما للتعميم، وتمكن من مساءلة أي قرار سياسي. [راجع «لوجوندر» في دروسه VII مثلا، ﭙاسيم، حول هذه الصيغة]. إن دور السياسة هو عدم إتْباع هذه الصيغة بأي شيء، وعدم الدفع إلى الهذيان بالتنكر لها.

هذه الطريقة المنحرفة لإخفاء المرجع، هذا الشكل الجديد ﻠ ” قلق في الحضارة“ ،هو مصدر آثار ذاتية لم توصف بعد. إلا أن لديها علاقة مباشرة مع الوصامة الصدمية مثلما عرضناها.(كما أن لديها لا محالة، علاقة بما يمكن تجميعه تحت عنوان ”وصامات الفعل“). إنه أحد معاني ” الصدمة العادية“ التي سيحدثنا عنها «آلان بيهر» خلال السنة.

بيرتران ﭙيري، تشرين الثاني/نوفمبر 1993 [7].

قائمة المراجع

ملاحظة للمترجمة: كل عناوين المراجع المسبوقة بهذه العلامة(*) ترجمت من طرف المترجمة للإشارة فقط.

Note de la traductrice : tous les titres précédés par le signe (*) ont été traduits par la traductrice pour indication

ABRAHAM K (1918) Contribution à la psychanalyse des névroses de guerre 1918) in Oeuvres complètes T.II

(*) أبراهام ك.» (1918) «إسهام في التحليل النفسي لعصابات الحرب 1918».

BARROIS C (1988) Les névroses traumatiques, Dunod

(*) «باروا ك.» (1988) «العصابات الصدمية»

BARROIS C (1993) Psychanalyse du guerrier, Hachette Pluriel

(*) «باروا ك.» (1993) «التحليل النفسي للمحارب»

BLANCHOT M (1983) La communauté inavouable, Minuit

(*) «بلانشو م.» (1983) «المجتمع المسكوت عنه».

BURLOUX G (1985) Traumatophilie, destin et "primary care". Ou comment surgit le psy au moment où (peut-être) on aurait pu s’y attendre. Psychosomatique n°2, pp 73-86

(*) «بيرلو ج.» (1985) «عشق الصدمات، قدر "وإسعافات أولية"». أو كيف يظهر المحلل النفسي في اللحظة التي(ربما) كان يجب أن نتوقع ظهوره.

DREYFUS JP (1974) Introduction à la notion de traumatisme chez Freud. Confrontations Psychiatriques n° 12, p93-108

(*) «دريفوس ج.ﭙ» «مدخل إلى مفهوم الصدمة عند فرويد. مواجهات طبية نفسية رقم 12.

DSM III R (1989) Manuel Diagnostique et Statistique des Troubles Mentaux, Masson

(*) «الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض العقلية» 3 DSM- ر.

FENICHEL O. (1938) Les névroses traumatiques, in La théorie psychanalytique des névroses, PUF,1953, pp 143-157

(*)« فينيشيل أو.» «العصابات الصدمية» في «النظرية التحليلية النفسية للعصابات».

FREUD (1920) Au-delà du principe de plaisir, in Essais de psychanalyse, Payot, 1973

«فرويد» (1920) «ما فوق مبدأ اللذة»،«ﭙايو»،1973.

FREUD S (1913) Totem et tabou, Payot

«فرويد س.» (1913) «الطوطم و الحرام»،«ﭙايو»

GOMEZ MANGO E (1987) La parole menacée, Revue Française de Psychanalyse, n°3, p899-914

(*) «ﯖوميز­ماﻨﯖو إ.» (1987) «الكلمة المهددة»، المجلة الفرنسية للتحليل النفسي.

ISRAEL L et DOREY R (1960) Une névrose traumatique aiguë. Traitement psychothérapique. Cahiers de psychiatrie

(*)«إزراييل ل.» و «دوري ر.» (1960)، «عصاب صدمي حاد، علاج نفسي»، دفاتر الطب النفسي.

KAMMERER T (1974) Traumatisme et réaction, Confrontations Psychiatriques n° 12, p81-89

(*)«كاميرير ت.» (1974)، «صدمة وردة الفعل»، مواجهات طبية نفسانية.

KHELIL K, LAGARDE PS et PIRET B (1993) Dépendance, traumatisme et réalités, communication aux Rencontres Franco-Maghrébines de Psychiatrie, Tunis, Septembre 1993

خليل ك. «لاگارد ﭙ.س» « ﭙيريه ب.» (1993)، «تبعية، صدمة وواقع»، مداخلة أثناء اللقاءات الفرنسية-المغاربية للطب النفسي،تونس، أيلول/سبتمبر 1993.

LEGENDRE Pierre (1976) Jouir du pouvoir. Traité de la bureaucratie patriote. Minuit

(*)«لوجوندر ﭙ.» (1976)، «التلذذ بالسلطة»، بحث حول البيروقراطية الوطنية.

LEGENDRE Pierre (1988) Leçons VII : Le désir politique de Dieu. Études du montage de l’Etat et du Droit, Fayard

(*)«لوجوندر ﭙ.» (1988)، الدروس :VII«الرغبة السياسية للإله»، دراسات حول بناء الدولة والقانون.

LEGENDRE Pierre (1992) Leçons VI : Les enfants du Texte, Fayard

(*)«لوجوندر ﭙ.» (1992)، الدروس : VI ،«أطفال النص».

MOREAU M (1941-1942) La question des névroses traumatiques et des névroses de guerre dans son état actuel. Journal Belge de Neurologie et de Psychiatrie, vol 41-42, pp 97-124

(*)«مورو م.» (1941-1942)، «مسألة العصابات الصدمية وعصابات الحرب في حالتها الراهنة»، الجريدة البلجيكية لطب الأعصاب والطب النفسي، مجلد 41-42.

ROSOLATO G (1969) Perspective de la mort dans la tragédie, in Essais sur le symbolique, Gallimard

(*) «روزالتو ﯖ.» (1969)، «منظور الموت داخل المأساة».

Collectif : Psychiatrie, psychothérapie et culture(s), Tome II, année 1991- 1992, Parole sans frontière éds, Strasbourg

(*) مجمع: طب نفسي، علاج نفساني وثقافة (ثقافات)، مجلد II ، سنة 1991-1992 ، منشورات حديث بدون حدود، ستراسبورغ.

حواشي

[1] هذا العمل هو ثمرة إنتاج مجموعة التقت بشكل منتظم، خلال سنتي 1992- 1993، حول موضوع الصدمة، وهي مجموعة كانت تضم : «جان-ماري هينريش»، «أحمت كاﭙتان»، فاتح كرمان، كريم خليل، «نيكول كلاين»، «ﭙيير ستانيسلاس لاﯖارد»، «بيرتران ﭙيريه»، «آنا ﭙودجارني»، «عثمان تيران»، «هوﯖو أورستارازو». كان التدخل مسبوقا بعرض «رعب الإنسان» (1992)، شريط ﻠ «جان بيرنار أندرو». و يعتمد هذا الشريط الوثائقي على شهادات تم جمعها داخل سياقات مختلفة: ضحايا اعتداءات، محاربون مسكونون بهاجس الحرب التي خاضوها، ضحايا كوارث طبيعية وغيرها. فهو يقوم بتقييم شديد الدقة لهذا الكيان المجهول، أي العصاب الصدمي والميكانيزمات التي تتسبب فيه. وقد حصل شريط « رعب الإنسان» على «شهادة تقدير لجنة المهرجان الثالث للفيلم والكتاب والمداخلة الطبية»، (دوڤيل 1992).

[2] أنظر بالنسبة لهذا النقاش، تقرير الطب النفسي حول العصابات الصدمية بمؤتمر الأطباء العقليين وأطباء الأمراض العصبية بفرنسا، والبلدان الناطقة بالفرنسية ﻠسنة 1954، من طرف «هيكايين» و«إڤرار».

[3] أنظر حول هذه المسألة ملاحظات «ﭙيير لوجوندر» في « التلذذ بالسلطة»، ص.ص. 188 س.س، وكذا ص.ص. 218 س.س

[4] أنظر الوصف الأول ﻠ «فينيشيل» (1938) وملاحظات أكثر معاصرة في «باروا» (1988)

[5] ينبغي تعميق هذا الجانب السريري الأخير انطلاقا من شكاوى مثل الألم القطني، واستعارات آلية استمدها المرضى من عالم الشغل. أنظر كذلك حول الآلام القطنية «بورلو» (1985).

[6] راجع المعاينات المماثلة ﻟ«لوسيان إزراييل» و«دوري» في «حالة عصاب صدمي»: «إزراييل ل.» و«دوري ر.» «عصاب صدمي حاد، علاج نفسي». دفاتر الطب النفسي، رقم 14، ص.ص. 77-89

[7] «بيرتران ﭙيري» : طبيب ومحلل نفساني بستراسبورغ