الصفحة الاساسية > 5. منشورات و (...) > 6/ معترضة: الدك
6/ معترضة: الدكتور فتيح كرمان
ترجمة من الفرنسية إلى العربية من طرف: فاضلة بوهوشي Traduit du français vers l’arabe par:Fadila BOUHOUCHI
السبت 29 آب (أغسطس) 2009, بقلم
6/ معترضة: الدكتور فاتح كرمان
الأربعاء 23 آذار/مارس 2005
لماذا هذا العنوان؟ كان صباحا رماديا ﺒ "الألزاس" قبل بضعة أشهر. ذهبت قاصدا البلد الذي هو بلدي.
لكن كلمة "بلد" لا تعني شيئا. هي مجرد تعميم، وفكرة مجردة أحيانا. حينما نتكلم عن "بلداننا"، فنحن نتكلم في الواقع عن بعض الأماكن والمناظر التي نعرفها. مدينة، حي، شاطئ بحر...ونتكلم أيضا عن رجال ونساء أعزاء علينا...وربما عن حب وصداقات أو جراح القلب.
لم يكن ذلك البلد هو وجهتي في ذلك الصباح الألزاسي الرمادي، بل منطقة غريبة عني كليا، حيث اعتبرت نفسي عابرا منذ يوم وصولي حتى يوم مغادرتي.
لم أكن هناك في الواقع إلا لأجل خدمتي العسكرية.
وهناك، على مقربة من الحدود الإيرانية، وعلى بعد مسافة قصيرة من الجبل المقدس "أرارات"، وجدت نفسي محبوسا داخل مستشفى طيلة شهرين، ليلا ونهارا، من أجل ممارسة الطب النفسي، وشاهدا على الظروف التي يعيشها هؤلاء الناس. يقاتلون ويصابون بجروح وأحيانا يموتون...
لم أكن أشعر بالانتماء إلى هذه البيئة الموحشة، ولا إلى هذه المدينة، فبالأحرى إلى هذه الحرب التي لا اسم لها، والتي تدوم الآن منذ عشر سنوات بين الأكراد والأتراك.
كنت لا أزال هناك حينما وصفت وضعيتي كعابر مجبر لمدة محدودة خارج فضائه الزمني الخاص، بمعترضة.
وإذا كنت أحاول هذا المساء إعادة فتح هذه المعترضة، فأنا لا أفعل ذلك إلا لكي أحدثكم عن بعض الحالات، عصابيون صدميون، لهذه المنطقة النائية.
ولأحدثكم أيضا عن المعترضات التي نجدها كل يوم عند مرضانا: مفتوحة أحيانا إلى الأبد ولا تغلق أبدا، مؤدية إلى جعل حياة ما، معترضة شاسعة، وأحيانا تنمو كالفطريات التي تخرج من الأرض، داخل خطاب لا نجد داخله سوى حشد من التفاصيل. ثم سرية وغير مرئية أحيانا أخرى ، حتى بالنسبة لصاحبها الذي يستنفذ وقته لتسليط الضوء عليها...ولكي نعود إلى موضوعنا لهذا المساء : معترضة الشخص الصدمي، زنزانة صغيرة يجد المرء نفسه يوما محبوسا ليعاني - وإلى الأبد في بعض الحالات- من أحد أوجه الرعب المتعددة، وهو ينظر عبر قضبان سجنه إلى الخارج...إلى الحياة، حياته التي أصبحت الآن بعيدة المنال...
و بما أن هدفنا خلال هذه الحلقة الدراسية هو أن نذهب، إذا أمكن ذلك، إلى ما وراء هذه الاستعارة، وأن نفهم أسباب الظهور الجديد لهذه الحالة المسماة ﺒ "العصاب الصدمي"، فسأحاول بدوري أن أبدأ عرضي، دائما داخل صورة استعارتي، بسلسلة من الأسئلة التي آمل أن تساعدني على الاهتداء إلى طريقي داخل هذا الحقل الذي مازال مجهولا.
ما هي الجريمة التي ارتكبها الشخص؟ هل هي جريمة قديمة أم حديثة؟ هل هناك فعلا جريمة ينبغي الحديث عنها؟
من شيد أسوار هذا السجن وما وظيفتها؟
ما هي علاقة المسجون بمعاناته الشخصية وبالرعب الذي هو مصدرها؟ لنمر إذن إلى حالاتنا السريرية للبحث عن إجابات...
الحالة السريرية (1)
يتعلق الأمر بأحد الأطر الشابة (برتبة ملازم) ،أتى إلى المستشفى بمحض إرادته، شاكيا من "استثارية" تلازمه منذ أسبوعين. ماذا يعني ﺒ "استثارية"؟
يجيبني أنه ينفعل بسرعة تجاه من يحيطون به، وأحيانا لأسباب تافهة. وأنه لا يتحمل أوامر رؤسائه منذ الليلة التي هوجم فيها ببيته. كان ذلك خلال هجمة عصابة كردية كانت تستهدف، في نفس الوقت، بيته بالقرية، والمركز المسلح الموجود على بعد خمسة عشرة دقيقة بالسيارة من منزله. كان كل هذا يبدو له غير معقول.
ويوضح أن زوجته الحامل في شهرها الثاني بطفلهما الأول، كانت توجد بالبيت رفقة صديقة لها خلال الهجوم. وأن قلقه عليهما كان أكبر من قلقه على نفسه. ويضيف على الفور أنه سبق أن تعرض لهجمات أو شارك في عمليات هجومية للجيش، لكنها المرة الأولى التي شعر فيها بأنه وحيد. بينما كان قد استنتج من عدد الصواريخ والرصاصات التي أطلقت، أن هناك ما يقارب العشرين من محاربي العصابات في الجهة المقابلة. ثم شرح لي فيما بعد كيف أنه قاومهم لدى محاولتهم تفكيك الباب الخارجي للبيت، منتظرا بفارغ الصبر، المساعدة التي لا بد أن تكون قد وصلت إلى المركز المسلح. وبعد أن خاب هذا الأمل الوهمي، خطرت بباله للحظة، فكرة أن المركز قد هوجم أيضا وأن أصدقاءه ربما قد لقوا حتفهم. إلا أن هذه الفكرة لم تجد لها مبررا فيما بعد. فالمركز لم يتعرض لهجوم، ولم يجرح أو يقتل أي من أصدقائه.
وبعد الهجوم مباشرة، قرر إرسال زوجته بعيدا عن المنطقة، لدى أسرتها. وقد ظهرت استثاريته تقريبا عند مغادرة زوجته. فلم يعد يتحمل البقاء وحده بالبيت، وأصبح يمضي كل لياليه بالمركز، الأمر الذي لم يكن ليخفف من ضيقه، إذ أن اضطراباته ازدادت تفاقما بفقدان الروح المعنوية أولا، ووهن، ثم اضطرابات في النوم. وكانت هذه الأخيرة في البداية مجرد صعوبات في النوم، ثم ظهرت الكوابيس بعد يومين من الهجوم. وكان المشهد الذي يعود بإصرار في أحلامه، هو مشهد محاولة تفكيك الباب من طرف المهاجمين الأكراد، وكان يوقظه دائما من نومه قبل سقوط الباب.
الحالة السريرية (2)
يتعلق الأمر بإطار شاب اتجه إلى عيادة المدينة شاكيا من وهن وفقدان الرغبة في العيش في تفاقم منذ ما يناهز الشهر. لديه إحساس بأن كل شيء قد ضاع. وهو لا يعني ﺒكلمة "كل"، "كلا" بسيطا بل "كلا" يتضمن العمر كله.لا معنى للحياة...إنها فارغة...إنها "لا شيء"...وجهه موسوم بحزن عميق...يتكلم ببطء وبجهد كبير...
بعد نصف ساعة، لم أتمكن من الحصول منه إلا على بعض العناصر من سيرته الذاتية: متزوج منذ أربع سنوات، ولكن زوجته أصبحت تبدو له منذ فترة كشخص غريب. فضلا عن ذلك، فهي تقيم مع ابنهما ذو الثلاث سنوات، عند أسرتها بمدينة خارج المنطقة. المريض في صفوف الجيش منذ ثلاث سنوات، وهذه هي السنة الأخيرة له بالمنطقة. يعجبه الجيش، ولكنه يعتقد، منذ أن حل به المرض، أنه غير مؤهل لهذا العمل. ويقدم لي كمثال على ذلك، عدم قدرته على الصمود كل ليلة في كمين بمنطقة جبلية في العراء، مع أنه كان يقوم بذلك مع فرقته منذ بداية الصيف. ونظرا لحالة المريض المثبط والخائر القوى، ولوجود عشرة من المرضى في الانتظار أمام مكتبي، فقد كان رد فعلي سريعا، واقترحت عليه استشفاءً قبِلَهُ باستسلام.
لدى قراءتي لملاحظاتي، وجدت أن الأيام الأولى لاستشفائه كانت موسومة بتلك الحالة الجامدة للمريض الذي يردد مع ذلك، وباستمرار، أنه يمضي ليال مضطربة بسبب الأرق المقاوم للدواء.
خلال المقابلة الرابعة، طرحت عليه أسئلة أكثر تفصيلا بخصوص اضطرابات النوم: متى ظهر الأرق للمرة الأولى مثلا؟ هل هو أرق جزئي أو كلي؟ هل لديه كوابيس...رأيته مترددا...بدأ يتكلم بصعوبة وهو يتحرك باستمرار على متكئه متجنبا التقاء نظراتنا...كانت تتخلل حديثه توقفات طويلة إلى حد ما...
وهكذا، علمت أن فرقته قد سقطت في فخ منذ شهر حينما كانت هي نفسها في كمين بالجبل. ومنذ الطلقات الأولى، سقط جندي كان بجواره، مصابا في رأسه، ومات "في ظرف ثانية". كان وجهه غارقا في الدماء. وكان المريض من زاويته المحمية، يسمع استغاثات جنديين آخرين. لم تكن هناك للأسف أية إمكانية للتنقل بسبب الطلقات التي استمرت من جهة أخرى حتى الفجر...وفي الصباح لم يجدوا سوى جثتيهما.
وفي النهاية، أخذ يردد عدة مرات، والدموع ملئ عينيه، أن لا أحد بمقدوره نسيان مثل هذا المشهد. فنسيان ذلك الوجه الغارق في الدم، وتلك الأصوات المعذبة للجنديين الآخرين هو شيء يعتبره في الواقع مرادفا للتجرد من إنسانيتة... حين لا يمكننا نسيانهم، لا يمكننا الإحساس من جديد بالارتياح كما في الماضي... لهذا، يوضح مرة أخرى، كل شيء مختلف الآن...وكل شيء قد ضاع...
الحالة السريرية (3)
في إحدى ليالي الحراسة، نُودِيَ علي إلى قسم جراحة العظام بخصوص مريض مقيم في المستشفى منذ عشرين يوما بسبب كسر في ساعده الأيمن. وهو يشكو الآن من الأرق.
عندما وصلت إلى عين المكان، وجدت نفسي أمام شخص مضطرب، يشرح لي بدقة أن مشكله ليس جرحه كما يعتقد الجميع، بل نقص النوم، أو بالأحرى، وحسب تعبيره : "النوم الذي نسيه"...
أخبرني، فيما يتعلق بجرحه، بأنه قد جرح نفسه بنفسه حين انفجرت إحدى خرطوشاته وأصابت إحدى شظاياها ساعده. فقد كان مع فرقته في مواجهة "ساخنة" بالجبل مع جماعة من محاربي العصابات، وكانت مهمة فرقته أن يحاصروهم...بدا عليه تردد في تلك اللحظة...ثم تابع حديثه شارحا كيف جرح فجأة حين ضغط على زناد بندقيته.
أمام تردده و للتحقق من الأمور، سألته عن العلاقة بين هذا الحادث المؤسف، و"نسيانه للنوم"، موضحا له أنه كان يلح، عند وصولي، على أن مشكله ليس هو جرحه.
فاندهشت كثيرا إذ هدأ واستحضر ذكرى تعذبه كثيرا. فبالفعل، وقبيل الحادث، قتل أحد أصدقائه الذي كان ينتمي إلى الفرقة حين داس على لغم. إن صورة هذا الميت وملابسه الممزقة، والدم الذي يسيل من جروحه ووجهه على الخصوص، لم تعد تفارق ذهنه نهارا وليلا.
مازال أمامه شهر واحد لإتمام خدمته العسكرية، لكنه لا يشعر بأي سعادة إذ أن الحياة فقدت جاذبيتها لديه. لم تصبح لديه إلا فكرة ثابتة واحدة: العودة إلى بيته، للقاء زوجته وابنته ذات الثلاث سنوات، والاعتكاف داخله أطول مدة ممكنة.
الحالة السريرية (4)
يتعلق الأمر بمجند يبلغ الثامنة عشرة من عمره. وصل إلى المنطقة منذ ما يناهز الشهر. ملازمه الأول هو الذي أرسله إلى المستشفى بسبب صعوبات علائقية مع محيطه وبسبب كآبته.
منذ الاتصال الأول، بدا المريض متوترا ومنطويا على نفسه. يجيب على أسئلتي باقتضاب. إلا أن هذا السلوك سرعان ما تغير لصالح حوار حر، سامحا بذلك بتناول مختلف المشاكل التي تطرح عليه منذ تواجده بالجيش (هذا التغيير يعود حسب رأيي إلى كوني لست عسكريا، الأمر الذي كنت قد وضحته له في بداية المقابلة).
ويضيف قائلا أنه يتحمل مسؤوليته عن الحوادث التي وقعت بالمركز. فهو يحاول أن يحافظ على هدوئه وأن يكون لطيفا مع الآخرين، إلا أنه يشعر أحيانا أنه يفقد السيطرة كليا على نفسه، فيقوم بأشياء مؤسفة. وهي حالة تدوم منذ بضعة أشهر- مع تفاقم خلال الأسابيع الأخيرة- منذ أن تعرض أخوه الأكبر لحادثة.
سألته عن تفاصيل أكثر عن هذه الحادثة. فشرح لي إذن أن أخاه كان ضحية تسمم إثر تسرب غاز داخل الحمام. كانت أمه قلقة بسبب المدة الطويلة التي أمضاها أخوه بالحمام، وعدم رده على نداءاتها. فطلبت المساعدة من ابنها الآخر. وهكذا، فقد اضطر هذا الأخير إلى كسر باب غرفة الحمام، ليجد أخاه عاريا على الأرض و "عيناه مزججتان". قال لي: "ظننته قد مات"، "كنت كالأحمق، لم أكن أعي ما كنت أفعله...".
بدأ مزاجه يتغير مع عودة الأخ من المستشفى إلى البيت. فقد كان في قلق دائم بشأنه، ولم يعد يتحمل تغيباته. كان متطلبا ويريده أن يظل دائما معه...إذ في غيابه، غالبا ما أصبحت تجتاحه أفكار اجترارية مشكلة من مشهد غرفة الحمام. وبدأت الأحلام كذلك تنضاف لاحقا إلى هذه اللوحة على شكل كوابيس.
بعد الحادث بما يقارب الشهر، ذهب لرؤية طبيب وصف له دواءً مضادا للاكتئاب، وشخص لديه حالة اكتئاب تفاعلي.
تعليقات
كل هذه الحالات تعكس العناصر الأساسية المميزة للعصاب الصدمي، ولكنها تظهر أيضا نقاطا مشتركة أخرى، يجب دراستها من أجل فهم الحقل الذي هو اجتماعي ونفسي ووجودي في نفس الوقت، والذي ينبني عليه وضع مثل هذه الوحدة السريرية.
يجب في رأيي، أن نوضح أولا الظروف الخاصة جدا للوسط الذي كان هؤلاء الناس مجبرون على العيش داخله باستمرار، محرومون في أغلب الأحيان من أبسط الملذات: حياة أسرية منعدمة أو شبه منعدمة، غياب شبه تام للعلاقات خارج-مهنية، تدرج في الرتب العسكرية وأوامر، عمليات متواصلة، كمائن وهجومات وهجومات مضادة...كانت هناك رغبة حيوية -وهي رغبة سرعان ما تتحول هنا إلى إلزام- في الانتماء إلى المجموعة أو الوجود من خلال المجموعة فقط...كل هذا رغما عن الامحاء الشبه التام للسمات الفردية! لم يكن بإمكان أحد أو يجوز له، أن يمتلك خطابا آخر غير الخطاب الحربي الجماعي حيث النظرة إلى العالم لا تعكس سوى فصلا صارما وعنيفا ما بين الخير والشر.
ربما يرجع هذا الفصل في نفس الوقت إلى عملية تلقائية، تتحكم فيها مسارات بيولوجية كإجابة من طرف الكائن الحي أمام تهديد خطر وشيك، كيان يبحث عن النجاة داخل كتلة الجماعة (مثل هذه الحالات ليست نادرة لدى الحيوانات). ولكنها تعود أيضا وخصوصا، إلى عملية مرتبطة بقوانين الحقل الاجتماعي، حيث كل شيء مشروعٌ إيديولوجيا من حيث الاستفزاز وتزييف الواقع، ودور وسائل الإعلام في نشر الأحكام المسبقة، وإعادة الاعتبار والاستعمال للأساطير والمعتقدات والمثل العليا...من أجل الدفع بالفرد، من خلال إعادة تشكيله، لأن يكرس نفسه "طوعا" لخدمة الجماعة. يجب إذن القيام بالاختيار، أو معرفة القيام بالاختيار، ودائما انطلاقا من موقف ثنائي يحدد خطا فاصلا بين البطل والجبان، بين المواطن الطيب والمواطن السيئ، بين المقاتل الشرس والمسالم الهلوع.
في مثل هذه الظروف، من الطبيعي إذن أن يشعر الفرد بتأثير هذا الخطاب الإيديولوجي، الذي يختزل الواقع كله في اتخاذ موقف وحيد أضفيت عليه صبغة المثالية، على أعماق نفسيته حيث الصراعات القديمة جاهزة لأن يتم تحيينها وأن تطفو من جديد إلى السطح في شكل أعراض مختلفة، أعراض هستيرية أوأعراض قلقية أو مزاجية...
تبقى مع ذلك مسألة معرفة ما إذا كان لهذا الجو الخاص، تأثير حاسم في تطور العصاب الصدمي. حتى وإن كانت هناك انجراحية سابقة للصدمة، سواء بسبب ضعف الأنا تحت ضغوطات خارجية قصوى، أو بسبب قابلية ذاتية ناتجة عن شخصية عصابية، فمن الصعب مع ذلك ملاحظتها داخل خطاب الشخص. فبالفعل، إن هذا الخطاب المفصل بشكل كاف حين يتعلق الأمر بسرد الحادث الصدمي، يصبح أقل غزارة بل و فقيرا ما أن نحاول الخروج عن هذا الإطار للتطرق إلى شيء آخر. فالمريض لا يمنح سوى أهمية قليلة لأحداث الماضي، ولا يفهم لماذا عليه أن يتحدث عن زوجته وأطفاله وعمله أو بكل بساطة، عن حياته اليومية. فحينما يتذكر حدثا ماضيا، أو حين يفكر في المستقبل، فإنه يقوم بذلك بصعوبة، وأحيانا بحزن أو بإحساس بالعبث.
أود أن أورد هنا كلمات أو بالأحرى، تأملات أحد مرضانا، الذي نتتبعه الآن منذ بضع سنوات، حول الحياة وحول الآخرين: "هؤلاء الناس الذين يروحون و يجيئون مثل النمل، لا أفهم لماذا مازالوا يشتغلون، بينما لا نعلم لماذا نحن في هذا العالم، ولماذا نحن موجودون، ولماذا نأتي إلى الوجود وما إذا كنا سنموت يوما..."
معنى الحياة المفقود!
الحياة "اللامعقولة" "الفارغة" أصبحت "لا شيئا" حيث فقدت جاذبيتها! كانت هذه أقوال المرضى الأربعة الذين لخصت لكم حكاياتهم. لقد كانوا، من جهة أخرى، يتكلمون مثل معظم الحالات الأخرى، كما لو أنهم قد تعرفوا على الوجه الآخر للحياة، الواقع الآخر، الأكثر واقعية من الأول، من خلال مرورهم الإجباري وبسبب حظ عاثر، من تجربة قربتهم من الموت. إن هذه التجربة توصف، بالإجماع، وليس فقط من طرف المرضى، على أنها استثنائية وعنيفة أو خارقة للعادة. فالنسبية إذن لا تعني سوى رد فعل كل واحد، إن نحن قبلنا بفكرة وجود شيء داخل الحادث الصدمي يتجاوز قدرتنا التخيلية. وإذا كنا عاجزين عن التخيل، فذلك بسبب لا معقولية الحادث الذي يضعنا أمام نهايتنا الشخصية، أمام دمارنا التام وانعدام الوجود الذي لا يمكن تصوره...إنه القرب من الموت في الزمان والفضاء، والتأثير المفاجئ وغير المنتظر لهذا القرب، بالإضافة إلى جانبه الاستثنائي، هو الذي يجعل من الصعب بل من المستحيل إيجاد معنى لهذه الصدمة. ولهذا السبب، فإن التكرار القهري للذكرى الهادف إلى السيطرة الرجعية على الاستثارة، ينتهي باستمرار إلى الفشل في العصاب الصدمي.
في الواقع، من الخطأ استعمال كلمة "ذكرى". إذ أن هذه الأخيرة غالبا ما تكون، في بداية المرض على الخصوص، مجرد مشهد وصورة بغض النظر عن الباقي، تقوم باقتحامات قسرية للاشعور الشخص : «الباب المكسر» مثلا أو «وجه الميت الغارق في الدم والمصحوب بالأصوات المعذبة»، أو «عينا الأخ المزججتان» ...
استحالة الحديث عن هذا المشهد مع الآخرين، ربما لأن الكلمات تظل غير كافية لوصفه، أو لأن الشخص مسكون بندم وعار وإحساس بالذنب. ما يرغب فيه المريض، أو ما يقول أنه يرغب فيه، هو نسيان هذا المشهد المزعج ومحوه...
فالمشهد يفصل كذلك إدراك الحياة إلى "ما قبل" و"ما بعد". إذ تصبح حياة ما قبل المشهد، مكان توظيف الحنين وإضفاء المثالية على الماضي، حيث لم يكن الشخص يعرف خوفا أو عجزا ولا صراعا ولا توترا... وعلى العكس، فإن حياة ما بعد المشهد تحمل صبغة العبث والحياة المنعدمة الحيوية، والفراغ التام لمستقبل لا إمكانية للاستباق فيه أبدا...
يجد المريض نفسه سجينا داخل زمان آخر ومكان آخر -زمان و مكان الصدمة- حيث لا يسكنه إلا هو ذاته، والآخر بوصفه معتديا، إما مرئيا أو غير مرئي (ذاك هو الاضطهاد: ما الذي يوجد وراء الباب؟)، وإما كميت، ميت محنط داخل جثته المبتورة، المقطعة، غير المبنينة، كشاهد أبدي على تحقق أمنية قديمة (تلك هي عقدة أوديب، التناقض في التقمص، الإحساس بالذنب: الحداد المرضي للمريض الذي كان يريد الحفاظ على ذاكرته كلها لكي يستطيع أن يظل إنسانا مثلا.) يتثبت المريض داخل لحظة الصدمة، داخل هذا الاعتداء المعاش كعقاب مفرط، أو داخل هذا التحقق الوحشي وغير العادي لأمنية الموت القديمة تلك، فاقدا ذلك الرابط الضروري بصورة الأب - بذاك الذي لا يمكن ولا يجب قتله إلا رمزيا-، وبفقدان هذا الرابط، يتم فقدان كل إمكانية للوجود والمشاركة وحتى القدرة على الكلام...
ما العلاقة التي كانت لي مع هؤلاء المرضى؟
علاقة إذن موقف. ليس بالضرورة بالمعنى "العلاجي" للكلمة، بل هي أيضا وفي الوقت نفسه، علاقة اجتماعية وإنسانية وعاطفية تثري المعنى الأول، وهي بهذا مسؤولة عن الفشل أو النجاح.
إذ أن تحديد الإطار لا يتضمن فقط شيئا داخل الممارسة النظرية الطبية، طبية-نفسية أو علاجية-نفسية، بل كذلك شيئا خارجها، كظروف الحياة مثلا التي يجب دائما أخذها بعين الاعتبار داخل العلاقة. عليك أن تعرف ما الذي يجب القيام به، أو أن تكون مدركا لردود فعلك الخاصة حين تسمع، خلال مقابلة، وفي نفس اللحظة التي سمع فيها المريض وأنت معه، صوت طلقات نارية أو صفارات المدرعات التي تهز فجأة هدوء المكتب.
ها هي الظروف:
على المستوى المهني أولا...
كنت الطبيب النفسي الوحيد بالمستشفى وبالمدينة أيضا. كنت مسؤولا عن الاستشارات داخل عيادة المدينة، ومسؤولا عن القسم الذي قمت باستشفاء ثلاثين مريضا به خلال تلك الفترة.
كان عدد المرضى المفحوصين وعدد الطالبين للاستشارة في اليوم الواحد متغيرا (كان العدد الأدنى 3 والعدد الأقصى 52)، ولكنه كان يقارب متوسط 12 مريضا في اليوم. و لكي أعطي عددا كمثال، فقد قمت خلال هذين الشهرين بما يقارب 400 استشارة داخل عيادة المدينة.
كانت الاستشارات تبدأ في التاسعة صباحا، ولكن التوقيت كان متغيرا أيضا، إذ كان يتوقف على وصول المرضى على شكل مجموعات من كل وحدة عسكرية، ترافقها فرقة عسكرية مسلحة بسبب عدم أمان الطرق. ولنفس السبب، كان ينبغي إنهاء الاستشارات قبل الساعة الثالثة مساءا حتى يتسنى لكل مجموعة الالتحاق بوحدتها.
كنت أمر بالقسم مرتين في اليوم، في الصباح وفي المساء. وكنت أقتصر خلال هذه الزيارة القصيرة على رصد سريع لحالة كل مريض، أحواله و تواصله. ونظرا لضيق الوقت، فقد كانت المقابلات الفردية مخصصة للمرضى الذين كانوا في حاجة إلى الدعم.
لم تكن هناك سوى ممرضة واحدة، صغيرة السن وعديمة الخبرة. وكانت مكلفة في نفس الوقت بكل خدمات القسم و عيادة المدينة.
...و على المستوى الشخصي!
غالبا ما عشت يسرا وعسرا. لماذا؟ حينما أفكر اليوم وبعد مضي بضعة أشهر، لا أجد في الواقع سوى إجابة واحدة: إنه الواقع الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي لبلدي الذي كانت لدي الفرصة فعلا لاكتشافه، والإحساس به بعد غياب دام أربع سنوات.
على أية حال، كنت هناك، وكان علي أن أبذل كل ما في وسعي!
لقد تتبعت هذه الحالات وكذا ثلاث حالات أخرى، كلها عصابية صدمية، خلال فترة استشفائية. كانت هذه الأخيرة تفرض نفسها كأمر ضروري وهام، ليس بسبب اهتمامي الشخصي تجاه هذه اللوحة السريرية، ولكن بسبب عناصر قلقية-اكتئابية حادة كانت تصاحب ظاهرة التكرار. ربما يكون مصطلح "مصاحبة" غير صائب. إذ غالبا ما كان يتوجب علي التفكير في هذا التكرار، ثم البحث عنه من خلال هذه العناصر التي كانت تدفعني بسهولة إلى تشخيص للاكتئاب، وهو ما لم يكن تشخيصا خاطئا في معظم الأحيان. غير أن المشكل كان مطروحا من حيث مقاومة الوسائل العلاجية المستعملة، عندما كنت ألح على هذا المظهر الاكتئابي فقط ، دون أن أعرف كيف أصل إلى المضمون التكراري للأحلام، أو اجترارية الأفكار ذات الصلة بالصدمة. فمن الناحية النظرية، لا توجد حاليا سوى نظريات حول قرابة محتملة بين العصاب الصدمي والاكتئاب. إلا أننا نشهد من الناحية التطبيقية، التشكل السريع لحلقة مفرغة، مع تفاعل إيجابي بين الوصفين السريريين.
كان من الضروري إذن كسر هذه الحلقة المفرغة بالتدخل على الواجهتين: معالجة التناذر القلقي الاكتئابي بواسطة بعض الأدوية التي كانت تحت تصرفي، وفصل المريض، إذا أمكن، عن تثبيته للصدمة وذلك داخل إطار علاقة علاجية نفسية.
كانت لدي من الأدوية، كمضادات للاكتئاب "أنافرانيل" و"لاروكسيل" (أما فيما يخص الفحص الطبي العام الأولي، فقد كان من الصعب أن أطلبه من الزملاء من أبناء بلدي، زد على ذلك أن أحدهم أفهمني بلطف، منذ البداية، أنني كنت إلى حد ما متطلبا جدا. استوعبت الرسالة، ولم ألح بعد ذلك). كما كان لدي "پروزاك" ،أمدتني به، وبمادرتي الخاصة، صيدليات المنطقة الموجودة بمدينة أخرى تقع شيئا ما نحو الغرب. أما بالنسبة للمهدئات، فقد كنت أقل حظا، إذ لم يكن لدي سوى "الڤاليوم" و"لارﮔاكتيل"، فكنت أستعملهما إذن كمضادات للقلق ومنومات في نفس الوقت. مبدئيا، لم تكن الوصفة الطبية لهذه الأدوية الأخيرة قاعدة، ولكنها كانت دائما ملائمة للعيادة، وبطلب من المرضى في أغلب الأحيان. انطلاقا من هذه التجربة المميزة، أريد أن أوضح نقطتين مهمتين برأيي. أولا أن النتائج لم تكن تختلف كثيرا عما نحصل عليه هنا، بالرغم من الإمكانية التي نملكها بفرنسا، والتي ليس لها نظير، في اختيار الأدوية. أما النقطة الثانية، فهي عدم مغالاة المرضى في استعمال الأدوية أو المطالبة بها أو بجرعاتها. ودون أن تغيب عن ذهني المساهمة والمساعدة التي لا جدال فيها لعلم الصيدلة في ممارستنا، فإنني أتساءل مع ذلك، إلى أي حد نحن متأثرون ﺒ"المجتمع الاستهلاكي" في عاداتنا فيما يتعلق بالوصفات الدوائية، سواء كأطباء أو كمرضى.
من وجهة نظر علاجية نفسية
حدثتكم قبل لحظات عن علاقتي التي كانت، بحكم الضرورة، أكثر عمومية وواسعة النطاق مع المرضى. كان ذلك ضروريا إذ كنا نعيش تحت سقف واحد، بصفتهم مرضى وبصفتي طبيبا. إلا أنه كان من المستحيل ارتداء قناع الطبيب على مدار الساعة. فقد كان المستشفى مكان إقامتي أيضا، حيث آكل وأشرب وأنام وأبتسم وأتحدث وأسمع الموسيقى وأنفعل، وأشاهد النجوم ليلا وأنا جالس أمام بابه. كنت أصطف مع المرضى أمام الكشك الوحيد للهاتف الذي كان يربطنا بالعالم الآخر...ففي هذا المستشفى أيضا كنت ألتقي ببعضهم حين كنت أطلب للمستعجلات ليلا، رغم رائحة "الراكي" التي تفوح من فمي مع أن الخمر ممنوع داخل الجيش.
وإليكم أهم نقطة، ربما، للبدء في علاقة ما. لم أكن أقدم نفسي أمامهم كإنسان بسيط فقط، بل أيضا كفرد يبحث عن التموقع أكثر ما يمكن خارج ممنوعات آلة حرب كانت دائما حاضرة حتى داخل المستشفى، بخطابها الإيديولوجي وقواعدها وقوانينها الخاصة، وتحياتها العسكرية وأوامرها وتدرج رتبها العسكرية...
أتذكر مثلا اندهاشي أمام مرضى غرفة بقسم جراحة العظام، الذين ما أن رأوني بالباب، حتى أخذوا يتململون في فراشهم بأنينهم وضماداتهم، ليقدموا لي احتراماتهم العسكرية. فقد كانوا يتصرفون كذلك مع الجراح-الإطار الذي كان معتادا على علامات الاحترام هذه.
لم أكن عسكريا، وكنت أوضح لهم ذلك. في البداية، قمت بذلك لأسباب شخصية، ثم فيما بعد، لجعل هذه العلاقة العادية داخل الحياة اليومية أكثر سهولة، ذلك أنها تسمح بالرغم من ذلك، بعودة ظهور الكلمات. كلمات حول كل شيء -تعطلات الهاتف، مباراة مهمة على شاشة التلفزة، السياسة...كان أحدهم يحدثني عن مزايا صيد السمك، وآخر عن مزايا الموسيقى العربية مهديا إياي أشرطة مسجلة لكي أشاطره رأيه و ربما متعته...
كان الخطر يتمثل في انفلات العلاقة العلاجية بابتذالها. ولكن سلطتي الطبية كانت تتدخل هنا، إذ كانت تسمح لي بخلق مسافة علاجية حيث كنت أجبر المرضى، وأشجعهم على العودة حول المشهد الصدمي...
وهكذا، فمن خلال الحياة اليومية المشتركة كنا نتوصل بشكل تدريجي إلى خلق إمكانية تشارك آخر، ذاك المتعلق بالمشهد وباللحظة الحاسمة...
كان المريض يحتاج إلى هذا التكرار اللفظي لكي يقبلني في نفس الوقت كفرد ثالث داخل وحدته الخيالية، حيث كان يركز على "معتد" آخر، و/أو "معتدى عليه حتي الموت". وأيضا من أجل إيجاد الكلمات لكل التفاصيل لكي نأمل في أن نستنفذ معا المسكوت عنه في تجربته. وكنت أشعر من جهتي بالحاجة إلى هذه التكرارات للخروج من إطار المتلصص، ومن وضعيتي التي كنت أعيشها بنوع من المشاركة الوجدانية المفرطة، أو بنوع من العجلة لفهم المريض والحكم لصالحه.
لقد كان من الممكن إذن مساندة المريض بالارتكاز على هذا الأساس، مع تجنب التأويلات السريعة والخطيرة في أغلب الأحيان بسبب هشاشة "أنا" المريض. و لكن مع السعي، كل مرة، لإزالة تهويل التفاصيل: "العينان المزججتان" مثلا. حدثت المريض في نهاية إحدى المقابلات، وأنا أبتسم، عن "رهاب الواجهات الزجاجية"، وهو ما جعله يبتسم بدوره...وسألت مريضا آخر حول "المُعانين"، وعما إذا كان يتوقع أن يغني الجرحى. ربما كان هناك استغراب تجاهي في البداية، ولكنه أصبح فيما بعد استغرابا تجاه واقع...
حين قلت لكم أنني تجنبت التأويلات...فأنا لا أعرف ما إذا لم يكن كل فعل أو كلمة أو موقف لا يوظف كتأويل لدى المريض، سواء كنا مدركين لذلك أم لا!
هذا المثال مستخرج من الحالة الأولى التي ذكرت، حيث حدثني المريض في اليوم الأول من استشفائه عن هواية الرسم لديه. فطلبت منه في نهاية المقابلة أن يمارس هوايته ثانية إن كان يرغب في ذلك، خلال فترة إقامته بالمستشفى. وبعد ثلاثة أيام، أطلعني على رسمه الأول. وأنجز أيضا أربع رسومات أخرى إلى أن غادر المستشفى. لقد قمت بتأويل للرسم الأول وذلك بتشبيه كل المساحة المظلمة، باستثناء الوسط حيث كان هناك ثقب صغير ساطع، بمغارة حيث لديك إحساس بأنك محبوس داخلها، ولا تدري فعلا إن كنت تريد الخروج منها أو البقاء فيها.
وقد احتفظت بهذا الرسم بمكتبي مثل الرسومات الأخرى.
لقد كان التطور سريعا، سواء من حيث اختيار الألوان المتراوحة ما بين الأسود-الرمادي إلى الأزرق-الأسود والبني-الأصفر، أو من حيث دقة المواضيع. ففي الرسم الثاني مثلا، كنا قد بلغنا الخارج حيث كنا نرى، ولو بصعوبة، جبالا على مسافة بعيدة. وكانت هناك، أمام المشهد، ثلاثة أشجار حطمتها الريح. إنه الرسم الأخير للمريض قبل يوم من خروجه. وقد كان هذا الرسم مختلفا بشكل كلي عن الرسم الأول: كان عبارة عن بحر بأمواجه وطيوره وسفينته. كان رسما يعكس الطمأنينة.
ففي هذه الظروف، ومن خلال هذا الموقف العلاجي التقليدي نوعا ما، استطعت أن أحصل على نتائج مُرضية. فقد خفت معاناة المرضى بشكل ملحوظ في نهاية فترة استشفائهم، مع انخفاض مهم للقلق والاختفاء التام أو شبه التام للمواضيع الاكتئابية. ولوحظ أيضا تراجع للاجترارات ذات المضمون التكراري بموازاة مع الاستئناف العادي للوظائف والاهتمامات اليومية. وحدهاالأحلام ظلت في موقف مقاومة، ولكنها كانت تخف مع ذلك ويقل ترددها.
الفشل الحقيقي الوحيد أتى من مريض كان يختلف بالفعل عن الآخرين بخصوص نقطة حاسمة كانت تزيد، في رأيي، من حدة صراعه. كان المريض الكردي الوحيد من بين العصابيين الصدمين.
وفيما يخصه، فقد كانت هناك علاقة جد مباشرة بين الصدمة ومعيشه الصدمي الخاص. عندما رأيته كان في إجازة مرض منذ شهرين. كان ينتمي إلى فيلق بجنوب البلاد، وكان قد أتى إلى المنطقة ليمضي إجازته بين أسرته ببلدته. ونظرا لتحفظه، كان من الصعب أن أربط معه علاقة كتلك التي وصفتهاأعلاه. وبعد حوالي عشرين يوما تقريبا، طلب مني منحه ترخيصا بالعودة إلى بيته. قبلت طلبه ومددت إجازته المرضية أيضا بشهرين آخرين. وبما أنه لم يكن يتبقى لي سوى أسبوعين لإنهاء خدمتي العسكرية، لم أحدد له موعدا لما بعد.
والغريب أنه هو الذي بادر بزيارتي مرتين، بمظهره الخجول والهش، حاملا لي معه من بلدته بيضا طازجا وخبزا لا يزال ساخنا.
يجب التفكير في فحوى زياراته!
ليس على المستوى النفسي فحسب، بل على مستويات أخرى كذلك: الاجتماعي والتاريخي أو السياسي...
في هذا القسم ايضاً
- التحليل النفسي بالمغرب: عرض تاريخي و معاينة : جليل بناني
- صدمات وواقع : المسألة الاجتماعية - بيرتران پيري
- تبعية، صدمة وواقع : كريم خليل، ﭙييرستانيسلاس لاﯖارد، بيرتران ﭙيري
- 6/ معترضة: الدكتور فتيح كرمان
- معضلاتُ المقابلاتِ السريريةِ في الوسطِ المغترب 1 - مهند شعبان
- الاستشارةُ العلاجيةُ النفسيةُ بحضورِ مترجمٍ فوري: منافعٌ وصعوباتٌ ومُحدداتٌ - بيرتران بيريه
- مَصَائِر الأجْنَبِي المُقْبَل1